
“مين اللي رمى ابني في الزبالة؟” حكايات شروق خالد.
صوت الحاج مراد قطع الهدوء في الصالة زي السكينة. وقف راجل الأعمال الكبير متصنم في مكانه، وكانت صوفيا بنت الخادمة — اللي عندها تمان سنين — شايلا عيل لسه مولود بيبكي وضاماه لصدرها، وبتشاور على حظاظة المستشفى اللي في إيده الصغيرة.
شاهيناز ابتسمت ببرود وقالت إن العيل ده مش ابن حد هنا، بس البت الصغيرة همست: “والله يا بيه أنا لقيته ورا المطبخ في الزبالة.”
قبل ثلاث ساعات، كان البيت الكبير هادي زي العادة.. السيراميك بيلمع، وكل حارس واقف في مكانه، والكاميرات مالية المكان. الحاج مراد بنى حياته كلها على التحكم والسيطرة، وهو عنده تمانية وأربعين سنة كان بيثق في الأرقام والحسابات أكتر من البني أدمين، لأن البني أدمين بيخونوا.
في الليلة دي، كان قاعد على طاولته مع المحامي والمستشار بتاعه بيكتبوا عقود الشغل الجديد. كان لابس بدلة سودة تقيلة وساعته الدهب في إيده، وكل حاجة حوليه بتقول إنه راجل واصل.. لحد ما جه صوت صغير من الممر الوراني وقطع الكلام. حكايات شروق خالد.
رفع مراد رأسه، ولقى صوفيا واقفة عند الباب حافية على السيراميك البارد، وبلوزتها القديمة مبلولة من المطر برة، وإيدها بترتجف.. بس مكنتش بتعيط، وده اللي خلاه يركز معاها.
وراها على طول، جت أمها إلهام وهي مرعوبة: “صوفيا! فيه إيه يا بت؟”
صوفيا مردتش بسرعة، وبصت لللفة اللي في إيدها — طفل صغير ملفوف في بطانية غالية أوي لونها بيج، بطانية ملهاش أي علاقة بزبالة المطبخ.
قالت صوفيا بصوت واطي: “أنا سمعت صوت عياط جنب باب المطبخ الوراني.”
المكان كله سكت.. وبعد لحظات دخلت شاهيناز وهي لابسة روب حرير أنيق، ووشها هادي خالص وكأن فيه سوء فهم بسيط بيحصل مش مصيبة! حكايات شروق خالد.
قالت لمراد بصوت ناعم: “يا مراد، دي بت صغيرة وأكيد بتهيا لها، يمكن لقت عيل حد رماه في الشارع برة.”
صوفيا بصت لها، وبعدين بصت لمراد وقالت بثبات: “لا يا بيه.. الولد ده كان جوة بيتك.”
قام مراد ببطء، وفي ثانية واحدة البيت كله اتكهرب! الحراس سكتوا والمحامين وقفوا كتابة.. قرب من صوفيا وهو مستني يشوف الخوف في عينها، بس لقى إصرار.
بص للطفل الأول، وبعدين لمح حظاظة المستشفى البلاستيك اللي في إيده.. كانت متوسخة من المطر، بس اسم مستشفى “دار الشفاء الخاصة” كان باين عليها.. وهي نفس المستشفى اللي اتولد فيها ابنه الكبير!
ملامح مراد متغيّرتش، بس إيده اتسمرت في الهواء وهو بيمدها ناحية الحظاظة، وسألها: “لقيتيه فين بالضبط؟” حكايات شروق خالد.
شاورت صوفيا على الممر الوراني: “ورا المطبخ.. جوة الصندوق بتاع الزبالة.”
قربت شاهيناز بسرعة وقالت: “مراد، أرجوك ما تخليش بت صغيرة تخترع قصة تضر اسم العيلة!” كلامها كان يبدو هادي ولطيف، بس صوفيا لاحظت حاجة محدش خد باله منها.. شاهيناز مبصتش للطفل خالص، كانت باصة للحظاظة بس!
سألتها صوفيا ببراءة: “أنتِ باصة للحظاظة كده ليه؟”
ولأول مرة، وش شاهيناز الهادي اتخطف في أقل من ثانية.. ثانية واحدة كانت كافية لمراد إنه يلمح الخوف في عينها. حكايات شروق خالد.
مراد متكلمش.. هو قعد سنين يفهم نقط ضعف أعدائه، وكان عارف إن الخوف ده مش بيجي من فراغ. صوفيا عدلت البطانية حولين الطفل بالراحة وهي بتقول: “أنا حاسة إن فيه حد كان عايز يخلص منه.”
المكان سكت تاني.. بص مراد ناحية المطبخ، الناحية اللي المفروض محدش يعرف يخبي فيها نملة، وبعدين رجع بص للحظاظة.. قطعة بلاستيك صغيرة محدش اهتم بيها، ولما قلبها على الظهر، شاف رقم محفور خلي الدم يهرب من وشّه!
حدق مراد في الرقم المحفور تحت شعار المستشفى، ووشه بقى زي الصخر، بس صمته كان يخوف أكتر من الغضب. وقفت صوفيا جنبه وهي شايلا المولود بحرص وبتبص على الكبار.. إلهام أمها خايفة، والمحامين متلخبطين، والحراس باصين للأرض.. أما شاهيناز فعملت حاجة أصغر بكثير: رجعت خطوة واحدة لورا! حكايات شروق خالد.
مراد خد باله.. هو بياخد باله من كل حاجة. وقال بصوت خفيض ومرعب: “هاتي الحظاظة دي.”
ترددت صوفيا لثانية قبل ما تمد إيد الطفل ناحيته.. هي مكنتش بتمسك الحظاظة، هي كانت خايفة على الطفل نفسه.
قرب مراد وشاف الحظاظة كويس.. كانت قديمة وممسوحة شوية، وعليها رقم ملف المريض. بالنسبة لأي حد في الأوضة كانت مجرد حتة بلاستيك ملهاش قيمة، بس بالنسبة لمراد كانت سر كبير حاول حد يرميه في القمامة!
قالت شاهيناز بصوت بتحاول تخليه هادي ومطمن: “يا مراد دي حظاظة عادية ممكن تكون مع أي عيل.. أنت عارف المستشفيات واللخبطة اللي بتحصل فيها، أكيـد حد نسيها هنا بالغلط.”
رفع مراد عينيه وبص لها بقسوة وقال: “بس أنتِ كنتِ عارفة اسم المستشفى من قبل ما تقريها!” حكايات شروق خالد.
شاهيناز بلعت ريقها بالعافية ووشها اتخطف، وقالت بنبرة بتتراعد: “أنا… أنا سمعتك وأنت بتمسي اسمها من شوية يا مراد!”
مراد ما ردش عليها، ونزل على ركبته قدام صوفيا، ومد صوابعه الكبيرة يمسك إيد الطفل الصغيرة بحنية مش لايقة على راجل بقسوته وشدته.. وقال وهو باصص في عين صوفيا: “اسمعيني يا صوفيا.. أنتِ شفتِ حد طالع من الممر ده قبل ما تسمعي صوت العياط؟” حكايات شروق خالد.




