
راجل واصل وله نفوذ كبير كان بيصورني من غير ما أعرف وأنا برعي بنته الصغيرة عندها ست سنين ومريضة بالسرطان. وفي الليلة اللي غنيتلها فيها أغنية أطفال قديمة، البنت اللي كانت تقريباً مبتنطقش، بدأت فجأة تحرك شفايفها وتقول الكلام معايا. افتكرت إني أخيراً قدرت أوصلها، لحد ما اكتشفت إن أبوها كان تحت بيتفرج عليا في كل ثانية، والأغنية دي صحّت جواه حاجة ترعب.
أنا اسمي أمل، وبقالي ثمان سنين شغالة في رعاية الأطفال المرضى. بس رغم كل خبرتي، مفيش حاجة تجهزني للقصر الكبير بتاع عيلة السيوفي على أطراف القاهرة.
خمسة عشر راجل حراسة كانوا واقفين بيراقبوني وأنا بعدي من الصالة الرخام.
مدير البيت راجل شعره أبيض قرب مني وقال لي: “أهلاً يا آنسة أمل، أنا عم حسين.”
مشاني في طقاطيق وممرات مليانة لوحات فنية تحس إن تمنها أكتر من كل اللي هكسبه في حياتي. الشركة اللي شغلتني كانت مدياني ثلاث قواعد مش حيدة عنهم: متسأليش في حاجة ملهاش دعوة بيكي، متقوليش رأيك، وافتكري دايماً إن أستاذ طارق السيوفي أهم حاجة عنده الخصوصية.
طارق كان قاعد مستنيني في مكتبه.
بص في الملف بتاعي وقال لي: “ناس كتير شكروا فيكي. ثمان سنين في رعاية الأطفال. بتتكلمي إيطالي كويس، ومراجعك كلها ممتازة.”
“تمام يا فندم.”
رفع عينيه الباردة وبصلي: “بنتي مريم عندها ست سنين. سرطان الدم. متقالة من أربع شهور بس.”
حكالي إن العلاج صديد وصعب جداً بالذات بالليل، وإن فيه ثلاثة ممرضات قبلي سابوا الشغل ومشيوا، ومريم تقريباً مبتتكلمش خالص من يوم ما والدتها اتوفت من سنتين.
رديت عليه وقلت: “السكوت مش معناه إن معندهاش حاجة تقولها.. ساعات إحنا بس اللي مش عارفين نسمع إزاي.”
نظرته ليا بؤرت وبقت أشد.
لما دخلت لمريم، كانت قاعدة جنب شباك أوضتها ولابسة بيجامة واسعة أوي عليها، ماسكة كتاب عن الفراشات. وشها أصفر وشعرها أسود.
“إزيك يا مريم؟ أنا أمل. عرفت إنك بتحبي الفراشات.”
ولا رد.
“أنا بقى بحب الفراشات الملونة.”
صوابعها اتجمدت على صفحة الكتاب.
لمدة ثانية واحدة بس.
بس أنا أخدت بالي.
على مدار الأسبوع اللي بعده، فهمت السكوت بتاعها. كنت بمسك شعرها وهي بترجع من الكيماوي، وأقعد جنبها وهي باصة للسقف بالساعات بتعافر في معركة مفيش طفل في سنها المفروض يشوفها.
طارق مكانش بيبان خالص طول فترة نبطشيتي.
بس في الليلة الثالثة، لاحظت حاجة ثانية.
كاميرات.
عدسات سوداء صغيرة أوي فوق رف الكتب، وجنب الشباك، وقريبة من الباب. بتراقب كل نفس.
سكت وما نطقتش.
وجت الليلة الخامسة.
مريم كانت تعبانة جداً ورجّعت كتير. بعد ما غيرتلها الملايات، دثّرت البطانية حولين جسمها اللي بيموت من الترعش.
همستلها: “جسمك بيعافر أكتر ما تتخيلي.”
عينيها كانت مقفولة.
فجأة، إيدها طلعت من تحت اللحاف ومسكت إيدي.
قلبي اتخلع من مكانه.
ومن غير ما أفكر، بدأت أدندن أغنية قديمة كانت ستي بتغنيهالي بلهجة إيطالية قديمة، حدوتة عن النجوم اللي بتحمي العيال وهي نايمة لحد ما الصبح يطلع.
شفايف مريم بدأت تحرك.
سمّرت في مكاني.
وبعدين حركتها تاني.
كانت بتحاول تقول الكلمات معايا.
اللي مكانش على بالي ولا خيالي، إن تحت في الصالون، طارق السيوفي كان ساب كل اللي في إيده.
قاعد متنح قدام شاشة الكاميرات المخفية.
أول ما سمع الأغنية دي، وشّه اتخطف والدم هرب منه.
ومد إيده ومسك التليفون.
طلب طارق من حسين يطلّعني فوراً لأنزل لمكتبه تحت. أول ما دخلت، لقيت الأجواء متوترة جداً والراجل شاحب وبيمسح عرقه من الصدمة.
بدأ يسألني بحدّة وذهول عن الأغنية ومنين عرفتها، وفهمت منه إن الأغنية دي مكانتش مجرد فلكلور قديم؛ دي كانت الأغنية الخاصة اللي أم مريم الله يرحمها—اللي كانت من أصول إيطالية—بتغنيها ليها وهي صغيرة قبل ما تتوفى في ظروف غامضة، ومحدش تاني خالص كان يعرف كلماتها أو طريقتها.
اتضح إن تصوير الكاميرات مكانش عشان يراقبني أنا بالذات، لكن بسبب هوسه وحرصه الزايد وحمايته لمريم بعد اللي حصل لأمها. صدمته لما سمعني بغنيها كانت لإنه افتكر إن السر ده اندفن مع مراته، فلما مريم سمعت الأغنية افتكرت صوت أمها واستجابت بوعيها لأول مرة من سنين.




