روايات وقصص

كتف الغريب حكايات شروق خالد

على سن التلاتين، أخدت طيارة من دبي ورجعت على مصر، معايا شنطة تقيلة، وشنطة إيدي، وبنتي الصغيرة النايمة “ليلى”.

جوزي “طارق” كان غير كالون الشقة، وقفل حسابتنا المشتركة، وبدأ ينزل صور مع واحدة تانية وكأن خمس سنين جواز ملهومش أي قيمة عنده. مصر كانت أملي الوحيد عشان أبدأ من جديد.

واحدة كانت قاعدة قريبة من ليلى وبدأت تتأفأف، وقالت بقرف: “هو ده اللي ناقص، عيل هيقعد يعيط طول السكة!”

وشي ولع من الأحراج، بس لقيت الراجل اللي قاعد جمبي بيرد عليها بهدوء: “الطفل ماختارش إنه يركب الطيارة يا مدام، بس الكبار يقدروا يختاروا يكونوا صبورين.”

صوته مكنش عالي بس الست اتكسفت وبصت الناحية التانية على طول.

قلتله: “شكراً جداً.”

قاللي: “أنا حمزة.”

رديت: “أنا أمل.”

كان يبان في أواخر التلاتينات، لابس قميص أبيض وبليزر كحلي، شعره مرتب بس على وشه إرهاق حد منامش بقاله كتير.

بعد شوية لقيت حمزة بيستأذني بصوت واطي: “في ناس بتصورني من بعيد.. ممكن أطلب منك طلب غريب شوية؟”

سألته: “غريب إزاي؟”

قاللي: “ممكن تتظاهري إنك نايمة على كتفي؟”

وافقت، وحطيت راسي على كتفه، وفضلنا كده لحد ما الطيارة نزلت مطار القاهرة.

لما الطيارة وقفت، بصيتله وسألته: “إنت فضلت ساكت ومتحركتش طول الوقت؟”

ابتسم وقاللي: “عادي، كنت محتاج أنام أصلاً.”

وفجأة جه واحد من المضيفين وقرب منه وقال باحترام: “يا حمزة بيه، فريق الحراسة بتاع حضرتك مستني بره الطيارة.”

أنا اتسمرت مكانها، وحمزة غمض عينه لحظة ورجع بصلي وقال: “إنتي بجد معندكيش فكرة أنا مين، صح؟”

هزيت راسي بـ “لأ”.

قاللي: “أنا حمزة الشاروني.”

دمي اتجمد.. أكبر شركة تكنولوجيا وعقارات في البلد. ده حمزة الشاروني اللي الكل بيتكلم عنه!

قبل ما ألحق أرد، تليفونه رن برسالة. أول ما قراها، كل ملامح الهدوء راحت من وشه.

سألته وأنا خايفة: “في إيه؟ خير؟”

حمزة بص ناحية باب الطيارة، وبعدين بصلي ولفت نظره للبنت الصغيرة اللي معايا، وقال بنبرة جد جداً: “أمل.. الحراسة بتوعي لسه مكلميني، وبيقولوا إن في حد بره المطار كان بيسأل عليك الطقم بتاع الطيارة قبل ما نوصل أصلاً.”

جسمي كله اتعصر من الخوف.. ولما وراني الاسم اللي مكتوب في الرسالة على شاشة تليفونه، كان: “طارق”.

جوزي كان عارف مكاننا.

حمزة مسك إيدي بالراحة وقاللي بصوت واطي وبكل ثبات: “متخافيش، طالما معايا محدش يقدر يلمسك.”

طلب من الحراسة بتوعه يدخلوا ياخدوا الشنط، وخرجنا من باب جانبي للمطار بعيد عن العيون، ونزلنا في عربية سوداء فخمة ومصفحة. طارق كان واقف بره من بعيد بيحاول يوصلنا، بس الحراسة منعوه تماماً إنه يقرب.

في السكة، حمزة حكيتله كل حاجة عملها طارق معايا.. إزاي طردني ورماني في الشارع وطمع في شقتي وفلوسي. حمزة سمعني للأخر وابتسم وقاللي: “حقك هيرجعلك كامل، وبزيادة كمان.”

حمزة مش بس حماني، ده شغل أكبر محامين في مصر عشان يرجعولي حقوقي. وفي خلال أسابيع قليلة، القضايا اترفت وطارق اتفاجئ بحجز على كل ممتلكاته وحساباته، والشقة اتردتلي بالقانون، وكمان القاضي حكملي بنفقة محترمة لليلى.

طارق حاول يترجاني ويتأسف لما حس إنه خسر كل حاجة، بس أنا كنت قفلت الصفحات دي خلاص.

مع الوقت، حمزة بقى أقرب شخص ليا وللبنت، حنيته واهتمامه خلوني أصدق إن في رجال بجد يقدروا ويحموا. وبعد سنة كاملة من إعادة ترتيب حياتنا، حمزة طلب يتجوزني، وبدأت أنا وليلى حياة جديدة نستهلها بجد، بعيد عن الخوف والغدر.

مرت الخمس سنين اللي بعد جوازنا من حمزة زي الحلم. “ليلى” كبرت وبقت تناديه “بابا”، وحسيت لأول مرة يعني إيه أمان وبيتي مقفول عليا ومعايا راجل بجد بيحترمني ويقدرني.

وفي يوم، كنت مع حمزة في حفلة افتتاح مشروع جديد لشركته. المكان كان مليان رجال أعمال وصحافة. وأنا واقفة جنبه ولابسة أشيك حاجة عندي ومرفوعة الراس، لمحت من بعيد واحد شغال ضمن طاقم التنظيم والنظافة بتاع القاعة.. كان لابس بدلة شغل بسيطة وبيمسح التربيزات.

دققنا أنا وحمزة في وشه.. طلع “طارق”.

بعد ما اتصادرت كل أملاكه وردلي حقوقي، شركاته أفلست ومبقاش حيلته أي حاجة، ومراته الجديدة سابته أول ما الفلوس راحت.

طارق بصلي، وعينيه جمت من الصدمة لما شافني واقفة جنب حمزة الشاروني وأنا ملكة جنبه. حاول يداوي كسفته ويوطي وشه في الأرض ويرجع يكمل شغله عشان محدش يلاحظ.

حمزة قرب مني، مسك إيدي وباسها قدام الكل، وقاللي بصوت واطي وابتسمت له عليه: “شفتي ربنا لما بياخد الحق، بياخده إزاي؟”

بصيت لطارق نظرة أخيرة، بس المرة دي مكنش فيها أي كره ولا غل.. كان فيها بس راحة بال، لأن الصفحة دي اتقفلت للأبد، وأنا بقيت في المكان اللي أستاهله بجد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى