منوعات

الخادمة ج1 حكايات شروق خالد

الساعة كانت 2:13 بعد نص الليل، وآخر حاجة كنت أتوقع ألاقيها في نومي هي ست نايمة تحت ملاية . مفيش ست دخلت الأوضة دي بقالها تقريبًا ست سنين، ومع ذلك لقيت خادمتي اللي عندها 24 سنة متكوّرة تحت اللحاف وعندها حرارة، وبدل ما أطردها، عملت حاجة أخطر بكتير: نمت جنبها.

اسمي ياسين الجارحي.

بره القاهرة، اسمي كان له وزن يخلي رجالة أصحاب نفوذ يختاروا كلامهم معايا بعناية. كنت مسيطر على شركات نقل وشحن، ونايت كلوبس، ومخازن، وشركات أمن، وأعمال محدش بيتكلم عنها في الأماكن المحترمة.

الستات عمرهم ما كانوا مشكلة بالنسبة لي.

بنات المجتمع الراقي كانوا بيتوددوا ليّا في حفلات العشاء الخيرية، وأحيانًا آباء أصحاب نفوذ كانوا بيتعاملوا مع بناتهم كأنهم ورقة للمساومة. من تلات ليالي، واحد منهم كان تقريبًا عارض عليّا بنت جميلة بفستان أحمر، ومعاها صفقة على قطعة أرض على البحر.

رفضتهم كلهم.

فلوس، حماية، أو حتى مجرد رغبة في اكتشاف إذا كان الوحش اللي جوايا عنده قلب. من واقع خبرتي، كل واحد كان عايز حاجة.

وبعدين ظهرت مريم عبد الرحمن في سريري.

كانت خادمة جديدة في البيت، عندها 24 سنة، هادية بشكل مؤلم، ودائمًا باين عليها الإرهاق. مكنتش أعرف عنها تقريبًا أي حاجة، لأنها عمرها ما سألت أسئلة، ولا حاولت تلفت الانتباه ليها.

في الليلة دي، المطر كان بيخبط بعنف في شبابيك الفيلا الكبيرة في التجمع الخامس، وأنا قربت من السرير.

مريم كانت بتترعش.

خدودها كانت محمرة، وشعرها البني المبلول لازق في جبهتها. ولما حطيت صباعين على جلدها، الحرارة فاجأتني.

“اللعنة.”

كان عندها حرارة.

اللي مكنتش أعرفه وقتها إن مريم صحيت الصبح وهي تعبانة، وبرغم كده راحت الشغل. أخوها الصغير كريم، اللي عنده خمستاشر سنة، كان مريض بالكُلى، وكانت فاتورة المستشفى قيمتها أكتر من مليون جنيه موجودة على ترابيزة مطبخ بيتهم في إمبابة.

والدها ووالدتها كانوا من خمس سنين.

مريم سابت الجامعة، واشتغلت شغلانتين، وبقت هي كل حاجة أخوها الصغير كان فاضله.

إنها تتصل وتقول إنها تعبانة ومش هتقدر تيجي الشغل؟ الفقر مكانش بيسمح لها حتى تفكر في حاجة زي دي.

يبدو إنها كانت بتغير ملايات سريري لما الدوخة هاجمتها.

“دقيقة واحدة.”

ده اللي كانت ناوية تعمله.

قعدت على طرف المرتبة وهي ناوية ترتاح دقيقة بس، ولفت اللحاف حواليها لأنها مكانتش قادرة توقف رعشتها، ونامت أربع ساعات.

كان المفروض أصحيها.

لكن بدل كده، خلعت الجزمة.

وبعدين نمت على الناحية التانية من السرير، وأنا لابس هدومي بالكامل، وسايب مسافة كبيرة بيني وبينها.

النوم كان بيعاندني بقاله سنين.

بعد نص الليل، الهدوء كان بيرجعني لذكريات أبويا وهو بينزف على أرض مخزن، وكرسي أخويا الفاضي، وكل خيانة علمتني إن الولاء مجرد كلمة تانية معناها إن الحاجة مؤقتة.

لكن جنبّي، مريم كانت بتتنفس بهدوء.

مفيش أسئلة.

مفيش خوف.

مفيش أي طلبات أو توقعات.

قفلت عيني.

بعد خمس ساعات، صحيت وأنا حاسس إني مش مستوعب اللي حصل.

أنا مكنتش نمت نوم متواصل بالطول ده من سنين.

وبعدين مريم اتحركت.

فتحت عينيها ووقعت عينيها عليّا مباشرة.

طلعت منها شهقة ورجعت لورا بسرعة.

“يا نهار أبيض!”

رفعت حاجبي.

“دي قلتِها.”

“أنا آسفة.”

“ودي كمان سمعتها.”

“أنا غصب عني نمت.”

“لاحظت.”

نزلت من على السرير، لكن جسمها مال فجأة وكادت تقع.

مسكت دراعها.

لثانية غريبة، ولا واحد فينا اتحرك.

وبعدين سيبت دراعها ومديت لها كوباية مية.

“أنا اترفدت، صح؟” همست.

“لأ.”

رمشت باستغراب.

“إيه؟”

“إنتِ عندك حرارة.”

“أنا أقدر أشتغل.”

بصيت لها.

“إنتِ بتتمايلي وإنتِ واقفة في مكانك يا مريم. وده مش إعجاب.”

بصت لكوباية المية بشك.

قلت لها:

“لو كنت ناوي أقتلك، أحط سم في المية؟ دي حركة مسرحية زيادة عن اللزوم.”

رغمًا عنها، ابتسمت ابتسامة صغيرة.

وبعدين تعبير وشها اتغير، وبصت ليّ بحيرة.

“ليه مصحتنيش؟”

السؤال كان المفروض يكون سهل.

لكن ماكانش.

لأن الحقيقة كانت حاجة أنا نفسي مكنتش مستعد أعترف بيها.

لأول مرة من سنين، وجود شخص تاني جنبي مخلانيش أحس إني محاصر.

بالعكس…

خلاني أنام.

وأنا واقف ببص لمريم وهي ماسكة كوباية المية بإيدين بتترعش، أدركت إن فكرة إني أبعدها عن البيت فجأة بقت أصعب بكتير مما كان المفروض تكون.

حكايات شروق خالد

مريم فضلت واقفة قدامي، ولسه ملامحها مليانة حيرة.

قالت بصوت واطي:

“أنا مش فاهمة.”

“إيه اللي مش فاهمه؟”

“إنت… إنت ياسين الجارحي. كل الناس بتخاف منك. وأنا مجرد خدامة.”

سكت.

الكلمة الأخيرة ضايقتني أكتر مما توقعت.

“ماتقوليش عن نفسك مجرد خدامة.”

بصت لي باستغراب.

“أمال أقول إيه؟”

“قولي مريم.”

نزلت عينيها للأرض.

“مريم.”

فضلت أبص لها كام ثانية، وبعدها قلت:

“ارجعي نامي.”

هزت راسها بسرعة.

“لا، لازم أنزل أحضر الفطار.”

“مش هتنزلي.”

“بس—”

“مريم.”

نبرة صوتي خلتها تسكت.

مسكت التليفون واتصلت بدكتور البيت.

بعد أقل من عشرين دقيقة، الدكتور وصل، وكشف عليها، وبعد ما قاس حرارتها وراجع حالتها، بص لي بجدية.

“حرارتها عالية جدًا. محتاجة راحة وسوائل وعلاج. وممنوع شغل النهارده.”

مريم اعترضت فورًا:

“بس أنا لازم أشتغل.”

الدكتور بص لي.

وأنا بصيت لها.

“سمعتي الدكتور.”

“بس يا أستاذ ياسين…”

“مفيش بس.”

سكتت.

الدكتور خرج، وأنا فضلت واقف عند الباب.

“هتفضلي هنا.”

اتوترت.

“هنا؟”

“أيوه.”

“في أوضة حضرتك؟”

“الأوضة التانية.”

تنفست براحة.

“وأخوك؟”

وشها اتغير فجأة.

واضح إن السؤال لمس حاجة .

“كريم؟”

“أيوه.”

“ماله؟”

سكتت ثواني، وبعدين قالت:

“مفيش.”

عرفت فورًا إنها بتكدب.

“مريم.”

عيونها لمعت.

“هو تعبان شوية.”

“قد إيه؟”

“مش كتير.”

“قد إيه؟”

بدأت دموعها تنزل.

“عنده فشل كلوي.”

الجملة نزلت بينا تقيلة.

“والعلاج؟”

مسحت دموعها بسرعة.

“أنا هتصرف.”

“إزاي؟”

“هشتغل.”

“إنتِ أصلاً شغالة طول اليوم.”

“هشتغل أكتر.”

بصيت لها طويلًا.

“والفلوس؟”

سكتت.

وبعد لحظة قالت:

“المستشفى طلبت فلوس كتير… وأنا لسه ناقصني مبلغ كبير.”

“كام؟”

مردتش.

“مريم.”

همست:

“مليون ومية ألف جنيه تقريبًا.”

فضلت ساكت.

المبلغ بالنسبة لي كان لا شيء.

لكن بالنسبة لها كان الفرق بين حياة أخوها .

مديت إيدي للتليفون.

“هاتِ اسم المستشفى.”

شهقت.

“ليه؟”

“هتصرف.”

هزت راسها بعنف.

“لا.”

رفعت عيني لها.

“إيه؟”

“مش عايزة فلوسك.”

“دي مش فلوسي اللي هديها لك.”

“أمال إيه؟”

“اعتبريها سلفة.”

ضحكت بمرارة.

“وأنا هسددها إزاي؟”

قربت خطوة.

“اشتغلي.”

بصت لي.

“بس مش دلوقتي.”

سكتت.

“لما تبقي كويسة، نحدد مرتبك منه براحتك.”

“بس ده هيحتاج سنين.”

“عندي وقت.”

كانت أول مرة أشوف في عينيها حاجة غير الخوف.

كانت بتبص لي كأنها بتحاول تفهم أنا ليه بساعدها.

وقبل ما تتكلم، تليفوني رن.

رقم خاص.

رديت.

“أيوه.”

الصوت اللي على الطرف التاني قال:

“يا ياسين، في مشكلة.”

ملامحي اتغيرت.

“اتكلم.”

“المخزن اللي في الميناء .”

سكت.

“مين؟”

“مش عارفين.”

“حد مات؟”

“اتنين من الرجالة.”

قفلت عيني لحظة.

“والباقي؟”

“هربوا.”

“والبضاعة؟”

“اختفت.”

قفلت المكالمة.

مريم كانت بتبص لي بخوف.

“في حاجة حصلت؟”

بصيت لها.

“مفيش.”

لكن قبل ما أتحرك، سمعت صوت تليفونها.

مريم طلعت موبايلها.

وشها اصفر.

“كريم.”

ردت بسرعة.

“ألو؟ كريم؟”

الصوت اللي جه من الطرف التاني مكانش صوت أخوها.

كان صوت راجل.

“لو عايزة أخوكي يفضل عايش…”

مريم اتجمدت.

أنا قربت منها فورًا.

“مين إنت؟”

الرجل ضحك.

“إنتِ مريم عبد الرحمن؟”

“أيوه.”

“يبقى اسمعيني كويس.”

مريم بدأت ترتعش.

“أخوكي معانا.”

عيونها اتسعت.

“كريم فين؟!”

“عايزاه؟”

“أيوه!”

“يبقى هتعملي حاجة واحدة.”

“إيه؟”

“تسرقي ملف من مكتب ياسين الجارحي.”

الدم اتجمد في عروقي.

مريم بصت لي.

والراجل كمل:

“الملف موجود في الخزنة اللي محدش يعرف عنها غير ياسين.”

سكت لحظة.

وبعدين قال:

“ولو حاولتي تحكي له…”

سمعنا صوت كريم من بعيد.

“مريم!”

شهقت.

“كريم!”

ثم انقطع الخط.

مريم وقعت على الأرض.

ركعت قدامها.

“بصي لي.”

كانت بتبكي.

“أخويا… أخويا معاهم.”

مسكت كتفها.

“مين دول؟”

“مش عارفة.”

“إيه الملف؟”

“معرفش.”

“قالوا لك تعملي إيه بالظبط؟”

رفعت عينيها لي، والدموع مالية وشها.

“قالوا إن لازم أسرق منك.”

فضلت أبصلها.

ولأول مرة من سنين، حسيت إن الحقيقي مش برا بيتي.

دخل بيتي من اللحظة اللي مريم نامت تحت اللحاف.

والأسوأ…

إني بدأت أشك إن الشخص اللي خطف أخوها مش عايز الملف.

هو عايز يوصل ليا من خلالها.

بصيت لمريم وقلت بهدوء:

“إنتِ مش هتسرقي حاجة.”

“بس كريم…”

“هنرجعه.”

“إزاي؟”

وقفت.

“لأن اللي خطفه ارتكب أكبر غلطة في حياته.”

“إيه هي؟”

بصيت لها.

“إنه لمس حد بقى يهمني.”

حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى