روايات وقصص

حين استيقظ الزعيم… كانت الممرضة هي سر نجاته حكايات شروق خالد

نورهان حسّت إن الدنيا بتلف بيها.

— حد من عيلتك؟!

محمود حط صباعه على شفايفه.

— وطي صوتك.

— إنت قولت إن اللي داخل ده من عيلتك!

— أيوه.

— ومين؟

محمود ما ردش.

كان مركز مع صوت الخطوات اللي بتقرب.

واحد من رجاله ظهر في الظلام وهمس:

— يا باشا… مفيش حد دخل من البوابة.

محمود رفع حاجبه.

— يعني؟

— اللي دخلوا من جوه القصر.

محمود فهم فورًا.

— خيانة.

وبص لنورهان.

— خليكي ورايا.

— مش هسيبك.

— نورهان…

— لأ.

محمود بص لها للحظة، وبعدين قال:

— عنيدة.

— اتعود.

ابتسم رغم الموقف.

— بدأت أحب العند ده.

قبل ما ترد، باب الصالة اتفتح.

دخل راجل طويل.

نورهان مقدرتش تشوف وشه كويس في الضلمة، لكن صوته كان هادي.

— وحشتني يا محمود.

محمود اتجمد.

وبص ناحية الصوت.

— مستحيل.

الراجل ضحك.

— نفس الكلمة اللي قلتها آخر مرة.

نورهان همست:

— مين ده؟

محمود رد من بين أسنانه:

— أخويا.

نورهان شهقت.

— أخوك مات!

— المفروض.

الراجل قرب خطوة.

نور الصبح اللي دخل من الشباك كشف وشه.

نورهان بصت له.

كان شبه محمود بشكل مخيف.

لكن عينيه كانوا أبرد.

قال:

— اسمي ياسين السيوفي.

محمود رفع سلاحه.

— إنت مت.

ياسين ابتسم.

— إنت اللي كنت فاكر إني مت.

سكت لحظة.

— زي ما كل الناس كانت فاكرة إنك مت.

محمود رد:

— إنت اللي ورا اللي حصل لي؟

ياسين ما أنكرش.

— كنت لازم تختفي.

— ليه؟

— لأنك رفضت تسلّم الإمبراطورية.

محمود ضحك بسخرية.

— إمبراطورية؟ إنت لسه بتسمي الخراب ده إمبراطورية؟

ياسين اتعصب.

— الخراب ده هو اللي خلى اسم السيوفي يتقال والناس ترتجف!

محمود:

— وإنت قتلت أبونا عشان توصل له.

سكت المكان كله.

نورهان بصت لمحمود.

— أبوكم؟

ياسين ابتسم.

— أهو بدأ يحكيلك الحكاية؟

محمود قال:

— هي ملهاش ذنب.

ياسين بص لنورهان.

— بالعكس. دي أهم واحدة هنا.

نورهان رجعت خطوة.

محمود وقف قدامها.

— لو قربت منها…

ياسين قاطعه:

— هتعمل إيه؟

رفع إيده.

فجأة ظهر رجال مسلحين من الممرات.

كانوا محاوطين المكان.

ياسين قال:

— لو عايزها تعيش، حط سلاحك على الأرض.

محمود بص لنورهان.

نورهان هزت راسها بسرعة.

— متعملش كده.

— اسكتي.

— لأ! هيقتلوك!

محمود بص لها.

— عارف.

نورهان اتخنقت من دموعها.

— طب ليه؟

قال بهدوء:

— عشان إنتِ أهم.

ياسين ضحك.

— يا سلام.

محمود نزل سلاحه ببطء.

حطه على الأرض.

ياسين ابتسم.

— أخيرًا فهمت.

لكن في اللحظة اللي ياسين قرب فيها، محمود ضرب برجله السلاح ناحية نورهان.

— امسكي!

نورهان تلقائيًا مسكته.

وفي نفس الثانية، محمود اندفع ناحية أول رجل.

انفجرت الفوضى.

رصاص.

صراخ.

زجاج بيتكسر.

نورهان استخبت ورا الحيطة وهي بتصرخ:

— محمود!

سمعت صوت ارتطام.

وبعدين سكون.

طلعت راسها.

محمود كان واقف، لكنه مصاب في كتفه.

ياسين اختفى.

نورهان جريت عليه.

— إنت اتصبت!

— خدش.

— ده مش خدش!

— قلتلك خدش.

— إنت مجنون!

مسكت إيده.

— لازم أشوف الجرح.

محمود بص لها.

— دلوقتي؟

— أيوه دلوقتي!

— وسط كل اللي حصل؟

— عشان متقعش وتموت!

ابتسم.

— كنتِ هتزعلي؟

نورهان اتعصبت.

— متستظرفش!

لكن صوتها كان بيرتعش.

محمود قرب منها.

— نورهان.

— إيه؟

— بصيلي.

بصت له.

— أنا مش هسيبك.

قالها بثبات.

نورهان دمعت عينيها.

— أنا مش خايفة على نفسي.

— عارف.

— خايفة عليك.

لأول مرة، محمود ملاقاش رد.

فضل باصص لها.

وبعدين رفع إيده السليمة ومسح دمعة نزلت على خدها.

— متعيطيش.

— إنت السبب.

— آسف.

نورهان اتفاجئت.

— إنت بتعتذر؟

ضحك.

— متعودش نفسك.

ابتسمت رغم دموعها.

لكن اللحظة دي انتهت لما واحد من رجاله دخل.

— يا باشا… ياسين هرب.

محمود وشه اتغير.

— هرب فين؟

— من النفق القديم.

محمود سكت.

نورهان لاحظت تغيره.

— إيه؟

— النفق بيوصل لمكان واحد.

— فين؟

محمود بص لها.

— للمقبرة.

— مقبرة؟

— مقبرة العيلة.

نورهان عقدت حواجبها.

— هو رايح هناك ليه؟

محمود رد:

— عشان ياخد الحاجة اللي أبويا خبّاها قبل ما يموت.

— إيه الحاجة؟

محمود سكت.

وبعدين قال:

— دفتر.

— دفتر إيه؟

— فيه أسماء كل الناس اللي شاركوا في شغل العيلة.

نورهان فهمت.

— ولو الدفتر وقع في إيده؟

— نص البلد هتولع.

سكت لحظة.

— وأنا كمان.

نورهان قربت منه.

— يبقى نروح.

محمود بص لها بدهشة.

— إنتِ هتروحي معايا؟

— أيوه.

— دي مش لعبة.

— وأنا مش لعبة.

ابتسم.

— إنتِ فعلًا أخطر مما توقعت.

خرجوا من القصر في عربية واحدة.

لكن قبل ما العربية تتحرك، محمود بص لها.

— نورهان.

— نعم؟

— لو حصل أي حاجة…

قاطعته:

— مش هحصل.

— اسمعيني.

سكتت.

— لو حصل أي حاجة، ترجعي من غيري.

نورهان بصت له بغضب.

— لا.

— نورهان…

— من يوم ما مسكت إيدي وإنت في الغيبوبة وأنا دخلت حياتك غصب عني.

ابتسمت بحزن.

— ودلوقتي أنا اللي باختار أكمل.

محمود فضل باصص لها.

وبعدين مد إيده.

نورهان حطت إيدها فيها.

ضغط عليها.

وقال:

— يبقى نخلص الحرب دي سوا.

العربية انطلقت ناحية المقبرة.

لكنهم ما كانوش يعرفوا إن ياسين سبقهم.

وإن اللي مستنيهم هناك مش مجرد دفتر…

كان سرًا مدفونًا من عشرين سنة.

سر لو نورهان عرفته…

هتفهم ليه محمود اختارها هي بالذات من بين كل الناس.

حكايات شروق خالد

العربية كانت بتجري في طريق صحراوي ضلمة، والمطر لسه بينزل على الإزاز.

نورهان كانت قاعدة جنب محمود، ساكتة، لكن عقلها كان بيجري أسرع من العربية.

من ساعة ما خرجوا من القصر وهي حاسة إن فيه حاجة هو مخبيها عنها.

بصت له.

— محمود.

— همم؟

— إنت عرفتني من قبل ما أصحى؟

بصلها باستغراب.

— يعني إيه؟

— لما صحيت في المستشفى، أول حاجة قلتها كانت “إنتِ”.

— كنتِ قدامي.

— لأ.

هزت راسها.

— إنت قلت اسمي.

محمود سكت.

نورهان قربت منه.

— قلت “نورهان”.

فضل ساكت ثواني.

وبعدين قال:

— كنت عارف اسمك.

— إزاي؟

محمود بص للطريق.

— عشان أنا اللي طلبت إنك تكوني الممرضة المسؤولة عني.

نورهان اتجمدت.

— إيه؟!

— قبل ما أدخل الغيبوبة.

— إنت كنت تعرفني؟

— لأ.

— أمال ليه اخترتني؟

محمود ما ردش.

نورهان مسكت دراعه.

— أنا بسألك!

— عشان اسمك كان موجود في ورقة.

— ورقة إيه؟

— ورقة لقيتها معايا وقت الحادث.

— مكتوب فيها اسمي؟

— أيوه.

نورهان حسّت بقشعريرة.

— مين كتبها؟

محمود بص لها.

— أبويا.

العربية سكتت للحظات، كأن حتى صوت الموتور اختفى.

نورهان همست:

— أبوك كان يعرفني؟

— مش بالشكل اللي إنتِ فاكره.

— طب يعرف إيه عني؟

محمود قال:

— ده اللي رايحين نعرفه.

وصلوا للمقبرة بعد وقت.

كانت مقابر قديمة في أطراف القاهرة، بعيدة عن الناس.

نزل محمود، ونورهان نزلت وراه.

دخلوا من بوابة حديد صدية.

رجال محمود انتشروا حواليهم.

محمود قال:

— محدش يدخل غيري أنا ونورهان.

واحد من رجاله اعترض:

— يا باشا، المكان ممكن يكون ملغم.

محمود بص له.

— قلت محدش يدخل.

دخل هو ونورهان.

المكان كان ضلمة، وريحه التراب والرطوبة مالية الجو.

وصلوا لمقبرة كبيرة مكتوب عليها:

عائلة السيوفي

محمود وقف قدامها.

نورهان بصت له.

— هو الدفتر هنا؟

— المفروض.

فتح الباب الحديد.

دخلوا.

محمود وقف قدام قبر قديم.

قبر والده.

مرر إيده على الاسم.

— أبويا كان آخر شخص توقعت يسيبلي سر.

نورهان قربت منه.

— يمكن كان عايز يحميك.

— أو يمكن كان عايز يحمينا إحنا الاتنين.

بصت له.

— إحنا الاتنين؟

قبل ما يشرح، سمعوا صوت تصفيق بطيء.

محمود رفع سلاحه.

— اطلع يا ياسين.

صوت ياسين جاء من الظلام:

— دايمًا كنت أذكى مني.

ظهر ياسين من خلف أحد الأعمدة، والدفتر في إيده.

— بس المرة دي أنا كسبت.

محمود بص للدفتر.

— حطه على الأرض.

ياسين ضحك.

— لسه بتأمر؟

— آخر مرة هقولها.

— وإيه اللي هتعمله؟

محمود رفع سلاحه.

— هقتلك.

ياسين ابتسم.

— مش لو عرفت الحقيقة الأول.

نورهان بصت لياسين.

— حقيقة إيه؟

ياسين قرب منها.

محمود وقف في طريقه.

— متقربش منها.

ياسين قال:

— إنت مش فاهم يا محمود.

— فاهم كويس.

— لأ.

رفع الدفتر.

— نورهان مش مجرد ممرضة.

نورهان حسّت إن نفسها انقطع.

— إيه؟

محمود بص لها.

ياسين كمل:

— والدها كان شريك أبوك.

نورهان اتصدمت.

— بابا؟

— أيوه.

— مستحيل.

— أبوك ما ماتش في حادث العربية زي ما قالوا لك.

نورهان وشها شحب.

— بابا مات وأنا عندي عشر سنين.

— اللي مات كان شخص تاني.

محمود بص لياسين بحدة.

— كفاية.

ياسين ضحك.

— ليه؟ خايف تعرف؟

نورهان بصت لمحمود.

— إنت كنت عارف؟

محمود سكت.

— محمود… كنت عارف؟

بص لها.

— عرفت بعد ما صحيت.

— طب ليه مخبي عليا؟

— عشان أحميكي.

— من إيه؟

ياسين رفع الدفتر.

— من الحقيقة.

فتح أول صفحة.

— والدك هو اللي أنقذ محمود من القتل.

نورهان دموعها نزلت.

— مش فاهمة.

ياسين قال:

— أبوك اكتشف إن فيه خيانة جوه عيلة السيوفي.

— مين؟

ياسين ابتسم.

— أنا.

نورهان بصت لمحمود.

محمود قال:

— أبوكي عرف إن ياسين كان بيخطط يقتل أبويا ويسيطر على كل حاجة.

— وعمل إيه؟

— خبّى الدليل.

— فين؟

ياسين رفع الدفتر.

— هنا.

محمود قال:

— وأبوك سلّم نسخة من الدليل للشرطة قبل ما يختفي.

نورهان قربت خطوة.

— يعني بابا كان عايش؟

ياسين قال:

— كان عايش لحد من خمس سنين.

نورهان شهقت.

— خمس سنين؟

— أيوه.

— ومات إزاي؟

ياسين ابتسم.

— اسألي محمود.

نورهان بصت لمحمود.

وشه كان جامد.

لكن عينيه كانت بتقول كل حاجة.

— محمود؟

قال بصوت هادي:

— أبوكي مات وهو بيحميني.

نورهان وقعت على ركبها.

دموعها نزلت بغزارة.

— ليه محدش قالي؟

محمود قرب منها.

— لأن اللي قتله كان لسه بيدور عليكي.

رفعت وشها.

— مين؟

محمود بص ناحية ياسين.

— هو.

ياسين ضحك.

— بس إنت غلطت يا محمود.

— في إيه؟

ياسين بص لنورهان.

— أبوكي ما كانش بيحميك من ياسين.

سكت.

— كان بيحميك من محمود.

نورهان بصت لمحمود في صدمة.

— إيه؟

ياسين قال:

— لأن أبوكي اكتشف إن محمود مش الشخص اللي إنتِ فاكره.

محمود شد على سلاحه.

— ياسين، اخرس.

لكن نورهان وقفت.

— لأ.

بصت لمحمود.

— عايزة أعرف.

— نورهان…

— عايزة أعرف كل حاجة.

ياسين ابتسم.

— أخيرًا.

محمود سكت طويلًا.

وبعدين قال:

— أبوكي كان عايز يخرجني من عالم الجريمة.

— وإنت؟

— رفضت.

— ليه؟

محمود بص لها.

— عشان كنت شايف إن الخروج معناه موت كل الناس اللي بحبهم.

نورهان دموعها نزلت تاني.

— يعني بابا مات بسببك؟

محمود ما حاولش يكذب.

— أيوه.

الكلمة وقعت عليها كأنها رصاصة.

سكتت.

وبعدين رجعت خطوة.

— وأنا كنت بعتني بيك كل الأيام دي…

محمود قال:

— عارف.

— وأنا كنت فاكرة إني بساعد إنسان.

— وأنا إنسان.

نورهان هزت راسها.

— بس قتلت أبويا.

محمود قرب منها.

— أنا ما قتلتوش.

— لكن بسببك مات!

سكت.

لأول مرة، محمود ما لاقاش رد.

نورهان بصت له بعيون مليانة دموع وغضب.

— قول لي إن ده كذب.

محمود بص لها.

— مش كذب.

في اللحظة دي، ياسين رفع سلاحه.

— كفاية كلام.

وجه السلاح ناحية نورهان.

محمود اتحرك فورًا ووقف قدامها.

دوى صوت الرصاصة.

ومحمود وقع على الأرض.

— محمود!

نورهان صرخت، ووقعت جنبه.

كان الدم بينزل من صدره.

رفعت إيدها وهي بتترعش.

— لأ… لأ يا محمود.

فتح عينه بصعوبة.

ومسك إيدها.

— متخافيش.

— إنت وعدتني!

ابتسم بألم.

— وأنا بوفي بوعدي.

نورهان بكت.

— إنت هتموت.

قال بصوت ضعيف:

— مش قبل ما أقولك الحقيقة الأخيرة.

— إيه؟

شد على إيدها.

— أبوكي…

سكت لحظة.

— هو اللي اختارني أحميكي.

نورهان بصت له في ذهول.

— إيه؟

محمود همس:

— وهو اللي كتب اسمك في الورقة…

ثم أغمض عينيه.

نورهان صرخت:

— محمود!

وفي اللحظة دي…

صوت سيارات الشرطة بدأ يقترب من المقابر.

وياسين اختفى.

لكن الدفتر…

وقع على الأرض.

والصفحة الأخيرة منه كانت مفتوحة.

وكان مكتوب فيها بخط والد نورهان:

“لو وصلت الرسالة لبنتي يومًا، قولي لها إن محمود لم يكن عدوي… كان آخر شخص وثقت فيه بحياتها.”

حكايات شروق خالد

نورهان فضلت راكعة جنب محمود، وإيديها كلها دم.

— محمود… افتح عينك، بالله عليك افتح عينك!

لكن عينيه كانت مقفولة.

رجال الشرطة دخلوا المقبرة، وياسين حاول يهرب من الممر الخلفي، لكن رجال محمود كانوا سبقوه وحاصروه.

بعد دقائق، اتقبض على ياسين.

أما محمود، فاتنقل للمستشفى وسط حراسة مشددة.

نورهان فضلت مستنياه قدام غرفة العمليات ساعات.

كل ما باب غرفة العمليات يتحرك، كانت تقوم مفزوعة.

لحد ما الدكتور خرج.

نورهان جريت عليه.

— هو عامل إيه؟

الدكتور ابتسم.

— الرصاصة عدت جنب القلب، بس الحمد لله… قدرنا نسيطر على النزيف.

نورهان قعدت على الكرسي وهي بتبكي من شدة الارتياح.

— يعني هيعيش؟

— هيعيش.

بعد ساعات، دخلت له.

كان محمود صاحي.

ضعيف، لكن عينه مفتوحة.

أول ما شافها، ابتسم.

— لسه هنا؟

نورهان قربت منه.

— كنت مستني إيه؟ أمشي؟

— كنت خايف تمشي.

سكتت.

وبعدين قالت:

— أنا عرفت الحقيقة كلها.

محمود بص للسقف.

— عارف.

— أبويا كان واثق فيك.

— أيوه.

— وأنت خذلت ثقته؟

— في الأول… أيوه.

بص لها.

— لكن بعد موته، قضيت خمس سنين بحاول أصلح اللي حصل.

نورهان مسكت إيده.

— وليه اخترت تحميني؟

محمود ابتسم.

— عشان أبوكي طلب مني.

— بس ده مش كل السبب.

سكت محمود.

نورهان ابتسمت بحزن.

— صح؟

بصلها طويلًا.

— لأ.

— أمال؟

— بعد ما سمعت صوتك وأنا في الغيبوبة، بقيت عايز أعيش.

دموع نورهان لمعت.

— يعني كنت سامعني فعلًا؟

— كل كلمة.

— حتى لما كنت بشتكي من ماكينة القهوة؟

ضحك.

— خصوصًا دي.

ضحكت نورهان وسط دموعها.

مرت شهور.

ياسين اتحاكم، وانكشف كل اللي عمله.

الدفتر اللي تركه والد نورهان كشف شبكة كبيرة من الفساد والقتل، وانهارت إمبراطورية كاملة كانت مبنية على الخوف.

أما محمود…

فقرر يعمل حاجة محدش توقعها.

باع معظم ممتلكاته المشبوهة، وسلّم المستندات للشرطة، وبدأ من جديد.

أسس مؤسسة طبية باسم والد نورهان، وساعد ناس كتير كانوا ضحايا لنفس العالم اللي عاش فيه.

وفي يوم هادي، رجعت نورهان للمستشفى بعد انتهاء ورديتها.

خرجت من الباب، لقت محمود مستنيها بعربية بسيطة.

ضحكت.

— إنت بتعمل إيه هنا؟

— مستنيكي.

— ليه؟

نزل من العربية.

وقف قدامها.

— عشان عندي سؤال.

— اسأل.

مد إيده لها.

— توافقي تكملي حياتك معايا؟

نورهان بصت لإيده.

وبعدين بصت له.

— ده عرض جواز؟

— أيوه.

— بعد كل اللي حصل؟

— عارف إنه مش عرض رومانسي قوي.

ضحكت.

— بالعكس… ده أغرب عرض جواز سمعته في حياتي.

— يعني؟

مدت إيدها وحطتها في إيده.

— يعني موافقة.

محمود ابتسم.

وضم إيدها لإيده.

— أبوكي كان هيبقى مبسوط.

نورهان بصت للسما.

— أنا عارفة.

وبعدها بصت له.

— بس عندي شرط.

— قولي.

— مفيش مافيا تاني.

ضحك محمود.

— وعد.

— ومفيش أسرار.

— وعد.

— ومفيش غياب ست شهور في غيبوبة.

محمود ضحك لأول مرة من قلبه.

— دي مش بإيدي.

ضحكت نورهان.

ومشيت جنبه.

وفي نفس اللحظة، بدأت أول نقطة مطر تنزل من السما.

نورهان رفعت وشها للمطر.

محمود بص لها.

— بتحبي المطر؟

ابتسمت.

— من زمان.

— وأنا كمان.

مسك إيدها.

ومشوا سوا بعيد عن المستشفى.

الراجل اللي دخل الغيبوبة وهو فاقد كل حاجة…

خرج منها وهو لاقي أهم حاجة في حياته.

والبنت اللي كانت مجرد ممرضة قررت تعالج مريض مجهول…

بقت الست الوحيدة اللي قدرت تعالج قلب أخطر رجل في البلد.

ومن يومها، محمود السيوفي عمره ما خاف من الموت تاني…

لأنه أخيرًا بقى عنده سبب حقيقي يعيش عشانه.

حين استيقظ زعيم المافيا… كانت الممرضة هي سر نجاته

حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى