روايات وقصص

أميرة الإسطبل#حكايات_شروق_خالد

من خلف السياج، كادت روح ليلى تخرج من جسدها وهي ترى أخيها يجثو على الأرض أمام سليم الصارم. لم تفكر مرتين؛ اندفعت من خلف السياج ودخلت الفناء وهي تصرخ: “انتظر يا مولاي! لا تؤذيه!”

التفت الجميع في الإسطبل بصدمة. تقدمت ليلى بخطوات سريعة ووقفت بين سليم ويوسف. كان لثامها قد سقط جزئياً، وشعرها الذهبي المقصوص يتطاير مع الهواء.

نظر سليم إليها. خيم صمت رهيب على المكان. تطلعت عيناه الرماديتان في وجهها… ثم هبطت نظرته إلى عينيها الواسعتين اللتين لا يمكن أن يخطئهما.

قال سليم بصوت خفيض وعميق، يحمل خليطاً من الصدمة والدهشة: “أنتِ…”

اقتربت بدرية فوراً من ليلى ووضعت رأسها على كتفها بتهدئة، لتقطع كل شك كان يمكن أن يخالج عقل الحاكم.

نظرت ليلى إلى الأرض وقلبها يخفق كالطبول وقالت بصوت يرتجف: “يا مولاي… أنا لست يوسف. أنا أخته. يوسف كان مريضاً بفرِاش الموت ولم نملك ثمن الدواء أو الطعام. قصصت شعري وبعته للتاجر لآتي بالمال، وارتديت ثيابه لأحافظ على عمله حتى لا نموت جوعاً. أخي لم يفعل شيئاً، العقاب لي وحدي!”

استمع سليم إلى كلماتها، وفي تلك اللحظة رُكبت كل أجزاء الصورة في عقله: الشعر الذهبي الذي رآه بالأمس على النبيلة… الصوت الناعم… المعصمان النحيفان… والنظرات الدافئة التي كانت تبتسم له كل يوم.

خطا سليم خطوة بطيئة نحوها. لم يبدُ عليه الغضب، بل كان في عينيه بريق غريب يمتزج بالحنان والذهول.

قال بهدوء جعل الجميع يحبسون أنفاسهم: “إذن… الشعر الذهبي الذي كان التاجر يبيعه في السوق… كان شعركِ أنتِ؟”

رفعت ليلى عينيهما والدموع تترقرق فيهما وأومأت برأسها: “نعم يا مولاي.”

ابتسم سليم ابتسامة حقيقية ولطيفة للمرة الأولى منذ سنوات، ابتسامة أضاءت وجهه الصارم، وقال بنبرة دافئة: “والفرس التي أردتُ إهداءها لعروسي المستقبلية… يبدو أنها اختارت صاحبتها بنفسها منذ اليوم الأول.”

اتسعت عينا ليلى بصدمة وشعرت بوجنتيها تتوهجان: “يا مولاي…؟”

التفت سليم إلى يوسف وقال: “قم يا يوسف، عملك في الإسطبل قائم وزيادة أجرك كما هي.” ثم التفت إلى ليلى واقترب منها حتى لم تفصل بينهما سوى خطوات معدودة وقال بنبرة ساحرة: “أما أنتِ… فلن تحتاجي للبس ثياب أرديتها مجدداً، ولا إلى إخفاء شعركِ الذهبي. فقد وجدتُ أخيراً المرأة التي تستحق أن تكون إلى جواري.”

شعر يوسف والجميع بالذهول، بينما وقفت ليلى تدق ضربات قلبها فرحاً وخجلاً، ممسكة بفرسها بدرية، ومدركة أن تضحيتها من أجل أخيها لم تنقذ عائلتها فحسب، بل قادتها إلى قلب الرجل الذي أحبته في السر.

#حكايات_شروق_خالدتقدم الحاكم سليم بخطوة أخرى حتى أصبح قريبًا منها لدرجة جعلت أنفاسها تختلط بنسيم المساء. مد يده بحذر، كأنه يخشى أن تكون هذه اللحظة برمتها مجرد حلم يزول باللمس، وأطراف أصابعه لامست خصلات شعرها القصير المتبقية بلطف شديد.

سألها بصوت خفيض هامس لا يسمعه سواهما: “أكنتِ تظنين حقاً أنني لم ألاحظ؟ أنني لم أميز بين جرأة صبي وإشراقة عيني امرأة كانت تدافع عن الحياة ببسالة في قلب الإسطبل؟”

رفعت ليلى عينيها إليه، وقد غرق وجهها في حمرة الخجل: “ألم تكن… تظنني صبياً حقاً؟”

أطلق سليم ضحكة خافتة ودافئة، هزت أركان قلبه قبل أن تهز المكان، وقال: “في المرة الأولى ربما، لم أكن أتوقع أن يجرؤ أحد على دخول ساحتي بهذه الطريقة. لكن في المرات التالية… كنتِ أنتِ من أبحث عنه كل يوم.”

شعر يوسف، الواقف على مقربة، بأن عليه التدخل احتراماً وهيبة للموقف، فتقدم وهو ينحني قليلاً: “يا مولاي… أرجو العفو. لقد فعلت ليلى ذلك خوفاً علينا، ولم ترد خداع القصر بسوء.”

نظر إليه سليم بعينين هادئتين وأومأ برأسه: “أعلم يا يوسف، والشجاعة التي ربتك وحمت عائلتك هي شجاعة لا توجد إلا في قلوب العظماء. عائلتكم تحت حمايتي من اليوم فصاعداً.”

ثم التفت سليم نحو رئيس الإسطبل الذي كان يقف مذهولاً، وأمر بصوت قاطع: “من اليوم، لم يعد ليوسف عمل شاق في الإسطبلات. سيعين مساعداً خاصاً في قصر الحكم، وتُنقل عائلته لتقيم في بيت يليق بمن يملك قلب ملكة.”

اتسعت عينا ليلى ولم تستطع النطق بكلمة واحدة، بينما غمرت الدموع وجه والدتها التي كانت تقترب للتو من مدخل الساحة بعد أن سمعت بالخبر.

وفي تلك الليلة، لم يعد الفناء مجرد مكان لترويض الخيول الجامحة، بل أصبح مكانی لانطلاق حياة جديدة كلياً لليلى وعائلتها.

بعد أسابيع، وفي قاعة العرش الكبرى، لم تعد ليلى ترتدي ملابس الصبيان، ولم يكن شعرها القصير محط حزن لها، بل أصبح رمزاً للتضحية التي قادتها إلى مصيرها. وقفت بجوار الحاكم سليم، مرتدية ثيابا تليق بأميرة القصر، بينما كانت الفرس بدرية تقف في الخارج ترعى في حدائق القصر الملكي بحرية وأمان.

همس سليم في أذنها وهو يمسك بيدها أمام الجميع: “هل أنتِ مستعدة لتكوني عروس القصر حقاً، ليس كحلم، بل كحقيقة أبدية؟”

ابتسمت ليلى بعمق، وقالت بصوت ثابت يملؤه الحب: “معك… أنا مستعدة لكل الأيام القادمة.”

أقيم حفل الزفاف في القصر الكبير لم تشهده المدينة من قبل. زينت الساحات بالفوانيس المضيئة والورود البيضاء، واحتفل الأهالي في كل شوارع الإقليم بعهد جديد ينعم فيه الجميع بالعدل والرخاء.

انتقلت عائلة ليلى للإقامة في جناح خاص بالقصر، وأصبح يوسف يتلقى تعليمه في مجالس الحكام إلى جانب مهامه الجديدة، بينما تحسنت صحة والدتهما تماماً وانتهت أيام الفقر والجوع إلى الأبد.

ومع مرور الأيام، بدأت الخصال الذهبية لشعر ليلى تنمو من جديد، أطول وأكثر بريقاً مما كانت عليه. وفي كل مرة كانت تجلس فيها أمام المرآة لتصفيفه، كان سليم يقف خلفها يراقبها بابتسامة دافئة، يمسك بيده الخصلات الجديدة ويهمس لها بأن تضحيتها في ذلك اليوم لم تكن مجرد إنقاذ لأخيها، بل كانت الخطوة التي غيّرت حياته وحياة الإقليم بأكمله.

أما الفرس بدرية، فظلت دائماً حلقة الوصل المضيئة بينهما؛ فلم تكن تسير في حدائق القصر إلا وإلى جوارها ليلى وسليم، شاهدة على قصة حب بدأت بقلب شجاع ولمسة حنان في قلب الإسطبل.

#حكايات_شروق_خالد

أميرة الإسطبل

حكايات شروق خالد

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى