روايات وقصص

لحن الوفاء#حكايات_شروق_خالد

— “لأن فيه حاجات عن ماضي أمك… فيه حد كان مخبيها عليكِ.”
وكان الشيء التالي الذي كانت على وشك كشفه سيغير كل ما كانت تؤمن به مريم عن عائلتها!
طلبت الست نادية من مريم أن تجلس بجوار قفص الفاكهة.
كانت مريم لا تزال تمسك بالصورة القديمة، ولم تستطع التوقف عن التحديق في صورة أمها وهي تقف بجانب السيدة الثرية.
سألت مريم مجدداً:
— “عرفتِ أمي إزاي؟”
نظرت الست نادية إلى الصورة لبرهة وقالت:
— “من سبعتاشر سنة، ما كانش حيلي حاجة. كنت لسة خسرانة تجاراتي، وكنت على وشك أترد من الأوضة الصغيرة اللي كنت متأجراها. في ليلة، قعدت على الرصيف أبكي لأني مكنتش عارفة هعمل إيه بكرة.”
واستطردت:
— “أمك لقيتني هناك.. ما كانتش تعرفني، وما كانش عندها أي سبب عشان تساعدني. بس أخدتني بيتها، أكلتني، وادتني فلوس للمواصلات. وقبل ما أمشي، ادتني حاجة أغلى بكثير… ادتني أمل.”
استمعت مريم في صمت، فواصلت الست نادية:
— “أمك كان عندها مشغل خياطة صغير وقتها. قالتلي إن لو عندي رغبة حقيقية أبدأ من جديد، المفروض مكسفش أبدأ بحاجة صغيرة. وادتني القرشين اللي كانت حوشتهم، وأنا أخدت الفلوس دي وبدأت أبيع قماش وحريميات.. والمشروع الصغير ده كبر لحد ما بقى الشركة اللي ملكي النهاردة.”
نظرت إليها مريم بعدم تصدق:
— “طب وليه مدورتيش على أمي كل ده؟”
تغيرت ملامح الست نادية للجدية وقالت:
— “دورت عليها كتير.. بس بعد الموضوع ده بفترة قصيرة، أمك اختفت تماماً. رحت المكان اللي كانت عايشة فيه، ملقتهاش، وما حدش قدر يقولي راحت فين.”
خفضت مريم رأسها وقالت:
— “أبويا قال لي إنها سابتنا ومشت.”
نظرت إليها الست نادية بسرعة وهزت رأسها بنفي:
— “أمك مستحيل كانت تسيبك بإرادتها أبداً!”
سألتها مريم بحيرة:
— “ليه؟”
فتحت الست نادية حقيبتها وأخرجت ظَرفاً مغلقاً:
— “أنا لقيت الجواب ده من تلات سنين، بعتهولي حد كان يعرف أمك. احتفظت بيه لأني كنت لسة بحاول أوصلك.”
حدقت مريم في الظرف.. كان اسم مكتوباً بخط اليد على الواجهة: (مريم).
بدأت دقات قلبها تتسارع، فمدت الست نادية يدها وسلمتها الظرف.
ولكن قبل أن تفتحه مريم، جاء صوت أشبه بالرعد من خلفهما:
— “مريييييم!”
التفتت مريم لتجد زوجة أبيها تقف على الجانب الآخر من الطريق…
وفي اللحظة التي لمحت فيها زوجة الأب الظرف في يد مريم… اهتزت ركبتها واختفى اللون من وجهها تماماً!

#حكايات_شروق_خالد
#حصري

تجمدت زوجة الأب في مكانها، وعينيها متسعتان رعباً وهي تنظر إلى الظرف في يد مريم، ثم إلى السيدة الأنيقة الواقفة بجانبها. اندفعت نحوهما بخطوات سريعة وهي تلهث، وقبل أن تصل تماماً صاحت بصوت مزيج من التوتر والغضب المصطنع:
— “إنتِ بتعملي إيه هنا يا مريم؟! وسايبة قفص الفاكهة ليه؟! اطلعي على البيت حالاً، الفلوس دي وراها مصاريف كتير!”
لم تتحرك مريم، وظلت ناظرة إلى زوجة أبيها بنظرات محملة بأسئلة لا حصر لها. أما الست نادية، فوقفت بثبات وشموخ، ورمقت زوجة الأب بنظرة حادة أفقدتها صوابها.
قالت الست نادية بصوت هادئ لكنه يحمل قوة مرعبة:
— “استهدي بالله يا ست الكل.. مريم مش رايحة في حتة قبل ما تفهم كل حرف مكتوب في الجواب ده.. ولا خايفة إن الحقيقة تظهر؟”
شحب وجه زوجة الأب تماماً، وابتلعت ريقها بصعوبة بالغَة وهي تحاول إنهاء الموقف:
— “حقيقة إيه وبتاع إيه؟! دي بنت كدابة وناكرة للجميل.. أنا اللي ربيتها وسهرت على لياليها بعد ما أمها هربت وسابتها!”
هنا قاطعتها الست نادية بصوت صارم هز الشارع:
— “اكذبي على أي حد تاني، إلا أنا! أنا دورت على ماجدة سنين طويلة، وعارفة كويس مين هي ماجدة، وعارفة كمان إنها مستحيل كانت تسيب بنتها بمحض إرادتها.. والجواب ده هو اللي هيكشف كل حاجة.”
التفتت مريم بسرعة إلى الظرف، وبأصابع مرتعشة نزعت الغطاء وأخرجت الورقة المكتوبة بخط يد أمها الراحلة. بدأت تقرأ الكلمات والدموع تغرق عينيها:
> “ابنتي الحبيبة مريم.. لو قرأتِ هذا الجواب يوماً، فاعلمي أنني لم أترككِ قط بملء إرادتي. لقد تركت لكِ كل ما أملك من مدخرات أودعتها عند زوج أبيكِ لكي تكون سنداً لكِ في تعليمك ومستقبلِك.. أوصيتكِ بالصبر، وكنت أعلم أن يوماً سيأتي وينجلي فيه هذا الظلم. أحبك يا ابنتي.. يا لحن عمري الجميل.”
>
سقطت الدموع بغزارة على وجه مريم، ورفعت رأسها لتنظر إلى زوجة أبيها التي انهارت تماماً على الرصيف، وقد انكشف أمر طمعها وسرقتها لمدخرات ماجدة وحرمان اليتيمة من حقها في التعليم.
لم تضيّق الست نادية الوقت؛ فقد اتخذت قراراً فورياً غيّر مجرى حياة مريم للأبد، وأصدرت أمراً حاسماً للشرطة والمحامين المرافقين لها لاتخاذ الإجراءات القانونية ضد زوجة الأب لاسترداد كافة حقوق مريم وأموال أمها المسلوبة.
وفي اليوم التالي، لم تكن مريم تمشي في شوارع الحسين حاملة قفص الفاكهة على رأسها بعد الظهيرة، بل كانت تجلس في أحد أفضل الفصول الدراسية، ترتدي ملابس نظيفة، وتفتح كتابها المدرسي وابتسامة واسعة تعلو وجهها.
أما الست نادية، فلم تكتفِ باستعادة أثر صديقة عمرها، بل تبنّت مستقبل مريم بالكامل، وفتحت لها أبواب شركتها الكبرى لتعلمها أسرار التجارة والإدارة، تماماً كما علمت ماجدة الأمل لنادية قبل سبعة عشر عاماً.
وفي كل مساء، كانت مريم تقف في شرفة منزلها الجديد، تنظر إلى السماء وتهمس لنفسها بصوت دافئ:
— “اطمئني يا أمي.. الأغنية لم تمت، والأمل الذي زرعتِهِ أزهر، وعُدتُ إلى طريقي من جديد.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى