
«يبقى متاخديش.»
المليونير ما استناش حتى إن آية تكمّل كلامها.
كانت واقفة في أوضة السفرة الكبيرة في فيلا ياسين الجبالي في التجمع الخامس، لابسة يونيفورم التنضيف الأسود، وبصّت للعمال وهما بيشيلوا الأطباق اللي ماحدش لمسها.
فراخ مشوية كاملة.
بطاطس.
عيش.
وحلويات.
أكل كله هيتترمي في الزبالة.
أكل جدتها كانت محتاجاه بشدة.
آية بلعت غصتها وحاولت تداري إحراجها.
وقالت بصوت واطي:
«طالما الأكل ده هيتترمي… كنت بس بسأل لو ممكن آخد منه شوية معايا على البيت.»
الكلام اللي كان داير حوالين السفرة وقف فجأة.
كل العيون اتوجهت ناحيتها.
ياسين بص لها ببرود.
«إنتي قطعتي العشا علشان تطلبي بواقي الأكل؟»
وش آية احمر.
«أنا ما طلبتش صدقة.»
واحد من الرجالة على السفرة ضحك ضحكة مكتومة.
ياسين رفع حاجبه.
«أمال تسمي ده إيه؟»
آية سكتت.
كان ممكن تعتذر.
كان ممكن تقول معلش وتدخل المطبخ تاني وتكمل شغلها كأن حاجة ما حصلتش.
لكنها بدل ما تمشي، رفعت عينيها لياسين وقالت الجملة اللي محدش في الأوضة كان متوقع يسمعها.
«ممكن أرسمك.»
ياسين رمش باستغراب.
«ترسميني؟»
«أيوه.»
«بورتريه… ولو عجبك، ممكن آخد الأكل مقابله.»
ثانية واحدة بس…
وبعدين صوت ضحكة طلع من آخر السفرة.
وبعدها ضحك اتنين تلاتة.
ياسين بص لها من فوق لتحت.
من الجزمة الرخيصة اللي في رجليها، لحد يونيفورم الشغل اللي لابساه.
وبعدين أشار ناحية لوحة زيت ضخمة معلقة وراه.
«دي لوحة بورتريه.»
قالها بسخرية.
«واللي رسمها فنان معروف، ولوحة زي دي موجودة في بيوت ناس كبيرة جوه وبره مصر.»
وبعدين رجع بص لها.
«وإنتي شغلتك بتنضفي البيوت.»
آية هزت راسها.
«عارفة.»
«وبرضه فاكرة إن الرسمة بتاعتك تساوي أكل العشا؟»
آية نزلت عينيها لحظة واحدة.
وبعدين رفعتها تاني.
«أنا مش بقول إن رسمة إيدي تساوي فلوسك.»
سكتت لحظة.
«أنا بقول إني بعرف أرسم.»
الابتسامة اختفت من على وش ياسين.
كان واضح إنه قرر يحول الموضوع لتسلية قدام ضيوفه.
مد إيده وخد ورقة بيضا من فوق المكتب الصغير الموجود جنب السفرة، وحطها قدامها.
وبعدين حط قلم فحم جنب الورقة.
«عشر دقايق.»
آية بصت له.
«عشر دقايق؟»
«آه.»
اتكأ على الكرسي وقال:
«ورقة واحدة… وقلم فحم واحد.»
وبص للضيوف.
«لو قدرتي تعملي حاجة تستاهل، تاخدي كل الأكل اللي في المطبخ.»
الضحك رجع تاني.
واحد من الضيوف قال:
«دي هتبقى سهرة مسلية.»
كرسي اتحرك.
وكرسي تاني.
الناس بدأت تقرب علشان تتفرج.
آية قعدت.
إيديها كانت بتترعش وهي بتمسك قلم الفحم.
ياسين لاحظ الرعشة.
ابتسم ابتسامة صغيرة.
لكن آية رفعت عينيها وبصت له مباشرة.
وفجأة…
الرعشة اختفت.
حطت سن القلم على الورقة.
وبدأت ترسم.
في البداية، محدش فهم هي بتعمل إيه.
خطوط خفيفة.
وبعدين خطوط أغمق.
ملامح بدأت تظهر واحدة واحدة.
الضحك قل.
والكلام اختفى.
وبعد أربع دقايق…
محدش كان بيضحك.
لأن آية ما كانتش بترسم ياسين زي ما هو واقف قدامها.
كانت بترسم حاجة تانية.
حاجة محدش في الأوضة كان عايز يتكلم عنها.
قلم الفحم اتحرك ناحية الجزء الفاضي في الصورة.
كرسي.
كرسي فاضي.
ياسين كان طول الوقت بيبص ناحيته من غير ما يحس.
آية كانت لاحظت.
لاحظت كل مرة عينه راحت لنفس المكان.
كل مرة سكت فيها فجأة.
كل مرة وشه اتغير لما حد قرب من الكرسي.
وقتها فهمت إن الكرسي ده مش مجرد كرسي.
وفجأة…
ياسين شاف اللي على الورقة.
ملامحه اتغيرت في لحظة.
قام من مكانه بعصبية.
«شيليه.»
آية رفعت عينيها من على الورقة.
«مش هينفع.»
«ليه؟»
«لو شلته هبوظ الرسمة.»
صوته بقى أخطر.
«أنا مش فارق معايا الرسمة.»
آية بصت له بهدوء.
لكن إيدها…
فضلت بتتحرك.
والفحم فضل يرسم.
لحد ما بدأت تظهر على الورقة ملامح شخص كان ياسين الجبالي قضى سنين طويلة بيحاول يخفي وجوده عن كل اللي حواليه.
#حكايات_شروق_خالد
ياسين اندفع ناحية آية وخطف الورقة من قدامها.
لكن آية كانت أسرع.
مدت إيدها ومسكت طرف الورقة قبل ما تتقطع.
«لو سمحت…»
ياسين بص لها بنظرة خلت الدم ينشف في عروقها.
«إنتي مش فاهمة إنتي بتعملي إيه.»
آية بلعت ريقها.
«أنا برسم اللي شوفته.»
«إنتي ما شوفتيش حاجة.»
«شوفت.»
ردت بسرعة، وبصوت أهدى من المتوقع.
«شوفتك كل شوية تبص للكرسي ده.»
سكت المكان كله.
حتى الضيوف اللي كانوا من شوية بيضحكوا، بقوا مش عارفين يبصوا فين.
ياسين قبض إيده.
«إنتي خدامة هنا.»
آية اتأثرت بالكلمة، بس ما نزلتش عينيها.
«أنا عارفة أنا شغالة إيه.»
«يبقى تعرفي حدودك.»
«حدودي إني أنضف البيت وأعمل اللي حضرتك تطلبه.»
سكتت لحظة.
«بس محدش قال لي إني ما أشوفش.»
وش ياسين اتشد.
واحد من الضيوف حاول يضحك علشان يكسر التوتر.
«يا ياسين، سيبها تكمل. يمكن طلعت موهوبة بجد.»
ياسين لف له بحدة.
«اسكت.»
الراجل سكت فورًا.
آية بصت للوحة اللي في إيد ياسين.
كانت لسه ناقصة.
وقالت:
«إنت خايف ليه؟»
الجملة نزلت على المكان زي الصدمة.
ياسين قرب منها.
«أنا؟ خايف؟»
«آه.»
«من رسمة؟»
آية هزت راسها.
«مش من الرسمة.»
بصت للكرسي.
«من اللي الرسمة هتفتكره.»
للحظة…
عيني ياسين اتغيرت.
آية شافت حاجة عمرها ما شافتها فيه قبل كده.
وجع.
وجع قديم جدًا.
لكن اختفى بسرعة.
ياسين رمى الورقة على السفرة.
«اطلعي أوضتك.»
آية ما اتحركتش.
«والأكل؟»
الضيوف بصوا لبعض.
ياسين ضحك ضحكة قصيرة من غير أي فرحة.
«بعد اللي عملتيه ده، لسه فاكرة الأكل؟»
آية ردت ببساطة:
«جدتي مستنياني.»
الكلمة خلت ياسين يسكت.
آية كملت:
«هي مريضة ومش بتقدر تاكل غير أكل خفيف. وأنا وعدتها إني هجيب لها حاجة.»
واحدة من الستات اللي كانت قاعدة على السفرة بصت لها بحرج.
لكن ياسين فضل ساكت.
آية مدت إيدها ناحية الورقة.
«لو مش عاجباك الرسمة، خلاص. بس خليني آخد الأكل.»
ياسين بص للورقة.
وبعدين بص لها.
«خدي.»
آية اتفاجئت.
«كل اللي في المطبخ.»
الطباخ اللي كان واقف بعيد رفع عينه.
ياسين قال:
«كل الأكل اللي هيتترمي… يتحط لها في علب.»
آية ما صدقتش.
«بجد؟»
«أيوه.»
وبعدين قرب منها وقال بصوت واطي:
«بس الورقة دي تفضل هنا.»
آية بصت للورقة.
«ليه؟»
«علشان أنا قلت كده.»
سكتت لحظة.
وبعدين قالت:
«حاضر.»
دخلت المطبخ.
وبعد ما اختفت عن نظره، ياسين رجع للورقة بسرعة.
فتحها.
وقلبه دق بعنف.
الرسمة كانت أوضح مما تخيل.
الكرسي الفاضي…
ووراه ستارة طويلة.
وعلى الكرسي، آية رسمت طرف شال حريمي صغير.
الشال كان شبه واحد موجود فعلًا في بيته.
شال والدته.
لكن أمه ماتت من سبع سنين.
ياسين قرب الورقة من عينه.
وفي أسفل الرسم، آية كانت رسمت تفصيلة صغيرة جدًا.
خاتم.
نفس الخاتم اللي كان في إيد أمه يوم موتها.
ياسين وشه شحب.
همس:
«إزاي؟»
في اللحظة دي دخل أخوه مروان.
«ياسين؟»
ياسين خبّى الورقة بسرعة.
مروان لاحظ توتره.
«في إيه؟»
«مفيش.»
مروان بص ناحية المطبخ.
«البنت دي عملت مشكلة؟»
ياسين ما ردش.
مروان قرب.
«إنت ساكت ليه؟»
ياسين فتح الورقة تاني وحطها قدامه.
مروان بص.
ثواني…
وبعدين وشه اتغير.
«دي رسمت…»
«آه.»
«إزاي عرفت الشال ده؟»
«ما تعرفش.»
«طب الخاتم؟»
ياسين سكت.
مروان قرب أكتر.
«الخاتم ده كان مع أمي يوم ما ماتت.»
«عارف.»
«محدش شافه غيرنا.»
ياسين رفع عينه له.
«علشان كده أنا مش فاهم.»
في اللحظة دي سمعوا صوت آية جاية من الممر.
كانت شايلة كرتونة فيها علب الأكل.
ابتسمت وهي بتقول:
«أنا خلصت.»
ياسين لف ناحيتها.
وبص للكرتونة.
وبعدين بص لوشها.
«آية.»
«أيوه؟»
«إنتي قبل كده شوفتي أمي؟»
الابتسامة اختفت من على وشها.
«أم حضرتك؟»
«آه.»
آية هزت راسها.
«لا.»
«متأكدة؟»
«طبعًا.»
ياسين قرب منها.
«طب إزاي رسمتي الخاتم؟»
آية بصت للورقة.
وبعدين رجعت بصت له.
«خاتم إيه؟»
مروان رفع الورقة قدامها.
«الخاتم ده.»
آية قربت.
بصت للرسم.
وبعدها اتسمرت مكانها.
وشها اصفر.
«إنتي تعرفي الخاتم ده؟»
آية ما ردتش.
مروان كرر السؤال.
«آية… إنتي تعرفيه؟»
إيديها بدأت تترعش.
وفجأة…
الكرتونة وقعت من إيدها.
العلب اتبعثرت على الأرض.
وياسين لأول مرة شاف الرعب الحقيقي في عينيها.
قالت بصوت متقطع:
«الخاتم ده…»
سكتت.
ياسين قرب منها.
«ماله؟»
آية رفعت عينيها له.
«أنا شوفته قبل كده.»
«فين؟»
آية أخدت نفس بصعوبة.
«في صورة قديمة عند جدتي.»
ياسين ومروان بصوا لبعض.
«صورة لمين؟»
آية بلعت ريقها.
«لأمي.»
ياسين اتجمد.
«أمك؟»
«أيوه.»
«وأمك مالها بالخاتم؟»
آية بصت للورقة مرة تانية.
وقالت جملة خلت ياسين يحس إن الأرض اتحركت من تحته:
«الخاتم ده كان في إيد أمي… في آخر صورة ليها قبل ما تختفي.»
سكت ياسين تمامًا.
لأن والدته هو كمان…
ما كانتش ماتت بالطريقة اللي الناس كلها فاكرينها.ياسين فضل واقف مكانه، كأنه نسي إزاي يتنفس.
«أمك اختفت؟»
آية هزت راسها ببطء.
«من سبعتاشر سنة.»
مروان قرب منها.
«وإنتي متأكدة إن الخاتم ده كان في إيدها؟»
آية بصت له.
«أنا كنت صغيرة، بس الصورة لسه عند جدتي. وكل مرة كانت تحكيلي عنها كانت بتقول إن أمي خرجت من البيت بالخاتم ده… وما رجعتش.»
ياسين حس بقشعريرة في جسمه.
«اسم أمك إيه؟»
آية ترددت.
«سعاد.»
الاسم وقع على ياسين كأنه ضربة.
مروان بص له بسرعة.
«ياسين…»
ياسين ما ردش.
لأنه كان فاكر الاسم ده.
مش بس فاكره…
كان مكتوب في ملف قديم جدًا مخبيه في خزنة والده.
سعاد عبد الرحيم.
الست اللي كانت بتشتغل ممرضة في بيتهم زمان.
والست اللي اختفت في نفس الليلة اللي ماتت فيها والدته… أو هكذا كان الجميع يعتقد.
ياسين قرب من آية.
«جدتك عايشة فين؟»
«في شبرا.»
«اسمها إيه؟»
«الحاجة فاطمة.»
ياسين سكت ثواني.
وبعدين قال:
«أنا عايز أروح لها.»
آية اتخضت.
«ليه؟»
«علشان أسألها عن أمك.»
«مش هتقدر.»
«ليه؟»
«جدتي مش بتحب تتكلم عن اللي حصل.»
ياسين بص لها بثبات.
«يمكن المرة دي تتكلم.»
مروان مسكه من دراعه.
«استنى.»
ياسين لف له.
«إيه؟»
مروان قال بصوت منخفض:
«لو سعاد كانت موجودة في الليلة دي… يبقى اللي حصل لأمنا ممكن ما يكونش حادث.»
ياسين عينه ضاقت.
«أنا عارف.»
«وعارف يعني إيه؟»
«يعني إن حد كذب علينا سبعتاشر سنة.»
آية كانت واقفة قدامهم ومش فاهمة كل حاجة.
«حد يفهمني.»
ياسين بص لها.
لأول مرة، صوته ما كانش فيه أمر.
«أمك كانت بتشتغل عندنا.»
آية اتسعت عينيها.
«إيه؟»
«قبل ما تختفي.»
آية رجعت خطوة لورا.
«إنت كنت تعرف أمي؟»
«لا.»
«طب عيلتي كانت تعرفكم؟»
ياسين سكت.
مروان هو اللي رد:
«أمك كانت موجودة في بيتنا ليلة وفاة أمنا.»
آية شهقت.
#حكايات_شروق_خالد
«وبعدين؟»
مروان بص لياسين.
ياسين قال:
«وبعدين اختفت.»
آية حطت إيدها على بوقها.
«يعني أمي كانت آخر واحدة شافت والدتكم؟»
«تقريبًا.»
آية هزت راسها وهي بتحاول تستوعب.
«طب ليه محدش قال لي؟»
ياسين رد:
«لأننا إحنا نفسنا ما كناش نعرف.»
وفجأة، صوت موبايل آية رن.
بصت للشاشة.
اسم جدتها.
ردت بسرعة.
«أيوه يا جدتي؟»
الصوت اللي جالها من الناحية التانية كان مرتعش.
آية قربت الموبايل من ودنها.
«إنتي فين يا بنتي؟»
«أنا في الشغل.»
«ارجعي حالًا.»
«ليه؟»
سكتت الحاجة فاطمة ثواني.
وبعدين قالت:
«مين الراجل اللي واقف جنبك؟»
آية اتجمدت.
بصت لياسين.
«إنتي عرفتي منين؟»
صوت جدتها ارتفع.
«آية، ابعدي عنه!»
ياسين قرب من الموبايل.
«أنا ياسين الجبالي.»
سكت الطرف التاني.
وبعدين سمعوا صوت نفس طويل.
«كنت عارفة إن اليوم ده هييجي.»
ياسين وشه اتغير.
«إنتي تعرفيني؟»
«أنا عارفة أبوك.»
مروان قرب.
«الحاجة فاطمة… إنتي كنتي تعرفي والدنا؟»
ضحكة حزينة خرجت منها.
«أبوك هو السبب إن بنتي اختفت.»
آية شهقت.
«جدتي!»
لكن قبل ما تكمل، المكالمة اتقفلت.
ياسين اتصل تاني.
الموبايل كان مقفول.
حاول مرة.
واتنين.
مفيش رد.
آية بصت له بخوف.
«لازم نروح لها.»
ياسين أخد مفاتيح عربيته.
«هنروح دلوقتي.»
مروان قال:
«ولو اللي قالته حقيقي؟»
ياسين فتح باب العربية.
«يبقى هنطلع الحقيقة.»
آية ركبت وراه.
لكن قبل ما العربية تتحرك، ياسين بص لها من المراية.
«آية.»
«نعم؟»
«الرسمة… إنتي قلتي إنك رسمتي اللي شوفتيه.»
#حكايات_شروق_خالد
«آه.»
«بس إنتي رسمتي الخاتم اللي عمرك ما شوفتيه قدامك.»
آية سكتت.
«أنا مش فاهمة.»
ياسين شد إيده على الدركسيون.
«أنا بدأت أفهم.»
وبعد أقل من نص ساعة، كانت العربية داخلة شوارع شبرا.
لكن لما وصلوا لبيت الحاجة فاطمة…
الباب كان مفتوح.
والبيت ساكت.
آية نزلت تجري.
«جدتي!»
مفيش رد.
دخلت الصالة.
الكرسي كان واقع.
والترابيزة مقلوبة.
وعلى الأرض…
كانت فيه صورة قديمة مكسورة الإزاز.
آية انحنت ورفعتها.
الصورة كانت لست شابة واقفة قدام فيلا قديمة.
سعاد.
أم آية.
لكن اللي خلى ياسين يتجمد مكانه…
إن الست اللي واقفة جنبها في الصورة كانت والدته.
وفي الخلفية…
كان واقف والده.
وفي إيده…
نفس الخاتم.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت في ظهر الصورة.
كان مكتوب بخط اليد:
«لو حصل لي حاجة… البنت دي هي الدليل.»
ياسين بص لآية.
«البنت مين؟»
آية قلبت الصورة.
وكان فيه سهم صغير مرسوم ناحية طفلة واقفة بعيد.
طفلة صغيرة جدًا.
ولابسة فستان أبيض.
آية قربت الصورة من عينيها.
وبعدين همست:
«دي أنا.»
في اللحظة دي، سمعوا صوت عربية بتقف قدام البيت.
وبعدها خطوات رجل بتقرب من الباب.
ياسين وقف قدام آية.
ومد إيده ناحية جيبه.
الباب بدأ يتفتح ببطء.
وصوت رجل غريب قال:
«أخيرًا… لقيتوا الصورة.»الباب اتفتح على الآخر.
ورجل في الخمسينات دخل بخطوات هادية، لابس بدلة غامقة، وفي إيده عصاية سودا.
وقف عند الباب وبص لياسين.
«كنت متأكد إنك هتيجي.»
ياسين اتقدم خطوة.
«إنت مين؟»
الرجل ابتسم.
«اسمي سامح.»
مروان وقف جنب ياسين.
«وسامح ده عايز إيه؟»
سامح بص للصورة اللي في إيد آية.
«عايز آخد حاجة تخصني.»
آية ضمت الصورة لصدرها.
«دي صورة أمي.»
«وأنا ما قلتش غير كده.»
ياسين مد إيده.
«جدتي فين؟»
سامح ما ردش.
«أنا سألتك… الحاجة فاطمة فين؟»
سامح بص ناحية السلم.
«كانت هنا.»
قلب آية وقع.
«كانت؟»
«مشت.»
«مشت فين؟»
«معرفش.»
ياسين قرب منه.
«إنت بتكدب.»
سامح ابتسم.
«إنت لسه زي أبوك.»
ياسين شد فكه.
«ما تجيبش سيرة أبويا.»
«ليه؟»
سامح رفع حاجبه.
«علشان الحقيقة هتوجعك؟»
#حكايات_شروق_خالد
مروان تدخل.
«قول اللي عندك.»
سامح بص له.
«أمكم ما ماتتش.»
الصمت نزل على البيت.
آية بصت لياسين.
مروان اتجمد.
أما ياسين ففضل ثابت.
«إنت بتقول إيه؟»
«بقول الحقيقة.»
«أمي ماتت قدامي.»
سامح هز راسه.
«إنت شفت عربية مقلوبة وحريق. ما شفتش جثة.»
ياسين عينيه اتسعت.
«إنت كنت هناك؟»
«كنت.»
«وسكت؟»
«علشان أبوك خلاني أسكت.»
ياسين قرب منه لحد ما بقى بينهم أقل من خطوة.
«ليه؟»
سامح بص له طويلاً.
«علشان أمك كانت هتكشف حاجة خطيرة.»
آية قالت:
«إيه هي؟»
سامح بص لها.
«أمك كانت بتحاول تساعدها.»
آية شهقت.
«أمي؟»
«سعاد كانت عارفة إن أمك مش ماتت.»
ياسين رجع خطوة.
«فين أمي؟»
سامح ما ردش.
ياسين صرخ:
«فين أمي؟!»
سامح قال بهدوء:
«قبل ما أقولك، لازم تعرف إن أبوك ما كانش الشخص الوحيد اللي خبّى الحقيقة.»
مروان قال:
«مين كمان؟»
سامح بص ناحية الصورة.
«أخوك الكبير.»
مروان اتجمد.
«إيه؟»
ياسين لف له ببطء.
«إنت بتتكلم عن مين؟»
سامح ابتسم.
«عن الشخص اللي مات من عشر سنين.»
ياسين حس ببرودة في أطرافه.
«أخويا مات وهو عنده خمسة وعشرين سنة.»
«لأ.»
سامح هز راسه.
«هو ما ماتش في الحادث.»
آية بصت لياسين.
«يعني إيه؟»
سامح قال:
«الراجل اللي دفنتوه من عشر سنين… ما كانش أخوك.»
ياسين ما استوعبش.
«إنت مجنون؟»
«أنا معايا دليل.»
سامح طلع فلاشة صغيرة من جيبه.
«كل اللي حصل موجود هنا.»
مد إيده.
لكن قبل ما يديه الفلاشة لياسين…
صوت رصاصة دوّى في البيت.
سامح وقع على الأرض.
آية صرخت.
«سامح!»
ياسين سحب آية ورا الحيطة.
مروان قفل الباب بسرعة.
رصاصة تانية ضربت الحائط.
ياسين بص لمروان.
«حد كان مستني إننا نوصل هنا.»
مروان قال:
«الفلاشة.»
ياسين بص للأرض.
سامح كان لسه عايش.
لكن الفلاشة اختفت.
آية بصت حوالين المكان.
«مين أخدها؟»
وفجأة سمعت صوت خفيف جاي من المطبخ.
خطوات.
ياسين أشار لمروان.
واتحركوا بهدوء.
لكن آية فضلت مكانها.
وبعد ثواني…
صرخة طلعت من المطبخ.
«آية!»
كان صوت جدتها.
آية جريت ناحية الصوت.
ولما دخلت…
لقيت الحاجة فاطمة مربوطة على كرسي.
والراجل اللي كان واقف وراها ماسك الفلاشة.
بص لآية وقال:
«أمك كان لازم تسكت.»
آية اتجمدت.
«إنت تعرف أمي؟»
الرجل ابتسم.
«أنا اللي خليتها تختفي.»
وفي نفس اللحظة…
دخل ياسين المطبخ.
الراجل رفع مسدسه.
لكن ياسين ما رجعش.
بص له وقال:
«إنت اللي كنت بتراقب بيتنا من سبعتاشر سنة.»
الرجل ضحك.
«وأنت أخيرًا بدأت تفهم.»
#حكايات_شروق_خالد
ياسين بص للفلاشة في إيده.
«هاتها.»
«مش قبل ما تعرف الحقيقة الأخيرة.»
«إيه؟»
الرجل بص لآية.
«البنت اللي أمها اختفت… مش مجرد بنت سعاد.»
سكت لحظة.
وبعدين قال:
«آية هي الوريثة الحقيقية لثروة الجبالي.»
ياسين ومروان بصوا لبعض.
والحاجة فاطمة بدأت تبكي.
وقالت:
«كنت خايفة اليوم ده ييجي.»
آية همست:
«وريثة إيه؟»
الحاجة فاطمة رفعت عينيها ليها.
«أبوك الحقيقي… مش الراجل اللي رباكي.»
ياسين اتجمد.
لأن الاسم اللي قالته بعدها…
كان اسم شخص ياسين نفسه كان متأكد إنه مات من عشرين سنة.الحاجة فاطمة بصت لآية ودموعها نزلت على خدودها.
«أبوكي الحقيقي اسمه… عادل الجبالي.»
ياسين حس إن رجليه ما بقتش شايلة جسمه.
«عادل؟»
مروان شهق.
«عادل أخو أبويا؟»
الحاجة فاطمة هزت راسها.
«أيوه.»
ياسين قرب منها.
«عادل مات قبل ما أنا أتولد.»
«دي كانت الحكاية اللي اتقالت لكم.»
سكتت لحظة.
«لكن الحقيقة إن عادل ما ماتش.»
آية كانت واقفة مش قادرة تتكلم.
«يعني… أنا بنت عادل الجبالي؟»
الحاجة فاطمة هزت راسها.
«أيوه يا بنتي.»
آية حطت إيدها على صدرها.
«طب ليه أمي ما قالتليش؟»
«علشان كانت بتحميكي.»
«من مين؟»
الحاجة فاطمة بصت ناحية الرجل اللي كان ماسك الفلاشة.
«منه.»
الرجل ضحك.
«لسه بتحكي نفس الحكاية القديمة؟»
ياسين لف له.
«اسمك إيه؟»
«كمال.»
مروان قرب خطوة.
«كمال… السواق القديم بتاع أبويا.»
كمال ابتسم.
«ذاكرتك كويسة.»
ياسين قال:
«إنت اللي كنت بتساعد أبويا؟»
«كنت بشتغل عنده.»
«وبعدين؟»
كمال بص لآية.
«لما عرفت إن عادل خلف بنت، وإن البنت دي هي الوريثة الوحيدة لنصيبه في الشركة… كل حاجة اتغيرت.»
آية قالت:
«وشركتي إيه علاقتي بيها؟ أنا عمري ما شفت شركة ولا فلوس.»
الحاجة فاطمة قالت:
«أبوكي كان شريك في نص أملاك العيلة.»
ياسين سأل:
«طب ليه الفلوس كلها راحت لأبويا؟»
الحاجة فاطمة سكتت.
كمال هو اللي رد.
«علشان عادل كتب وصية.»
ياسين اتوتر.
«وصية؟»
«كتب إن نصيبه يروح لابنته الوحيدة… أول ما تتم تلاتين سنة.»
آية شهقت.
«أنا عندي تلاتين سنة.»
كمال ابتسم.
«وعلشان كده دورنا عليكي.»
ياسين بص له بحدة.
«دوركم؟»
كمال رفع الفلاشة.
«أنا مش لوحدي.»
مروان قال:
«مين معاك؟»
كمال ما ردش.
لكن فجأة…
صوت عربية وقف قدام البيت.
وبعد ثواني، باب العربية اتقفل.
كمال ابتسم.
«وصل.»
ياسين حس إن في حاجة غلط.
«مين؟»
كمال قال:
«الرجل اللي يقدر يثبت كل كلمة قلتها.»
باب البيت اتفتح.
ودخل رجل كبير في السن، شعره أبيض، ووشه مليان ندوب قديمة.
آية بصت له.
الرجل وقف مكانه.
وعينه راحت عليها.
وبصوت مبحوح قال:
«آية…»
آية رجعت خطوة.
«إنت مين؟»
الرجل دموعه نزلت.
«أنا أبوكي.»
ياسين حس إن قلبه وقف.
مروان همس:
«عادل…»
عادل بص لياسين.
«إنت ياسين؟»
ياسين ما قدرش يرد.
عادل قرب منه.
«كنت آخر مرة شفتك فيها طفل صغير.»
ياسين بص له بصدمة.
«إنت عايش؟»
«كنت عايش.»
«كنت؟»
عادل ابتسم بحزن.
«من يوم ما اختفيت، وأنا عايش باسم تاني.»
آية كانت بتبص له وهي مش عارفة تقرب ولا تهرب.
«إنت سبت أمي؟»
عادل نزل عينه.
«أنا ما سبتهاش.»
«أمال حصل إيه؟»
«أمك حاولت تهرب بيكي.»
«ليه؟»
عادل بص للحاجة فاطمة.
«علشان اكتشفت إن أبو ياسين كان ناوي يقتلني.»
ياسين اتصدم.
«أبويا؟»
«أيوه.»
#حكايات_شروق_خالد
عادل كمل:
«أبوك كان عايز ياخد كل حاجة. ولما عرف إن عادل عنده بنت، قرر يمسح وجودي ووجودك من العيلة.»
آية بدأت تبكي.
«وأمي؟»
عادل سكت.
«أمك ساعدتني أهرب.»
«وبعدين؟»
عادل رفع عينه ليها.
«في الليلة دي… العربية اللي اتفجرت ما كانش فيها أنا.»
«كانت فيها مين؟»
عادل قال:
«كانت فيها واحدة تانية.»
ياسين فهم فجأة.
«أمي.»
عادل هز راسه.
«أمك شافت اللي حصل، وحاولت تنقذها.»
الحاجة فاطمة قالت:
«وسعاد أخدت آية وهربت.»
آية بصت لها.
«طب ليه رجعتوا دلوقتي؟»
عادل قال:
«علشان الشخص اللي كان ماسك كل الخيوط مات.»
ياسين سأله:
«مين؟»
عادل رد:
«أبوك.»
سكت المكان.
ثم قال:
«لكن قبل ما يموت، سلّم نسخة من كل المستندات لشخص واحد.»
ياسين بص للفلاشة.
«كمال.»
عادل هز راسه.
«أيوه.»
كمال مد الفلاشة لياسين.
لكن قبل ما ياسين ياخدها…
صوت موبايل رن.
كان موبايل آية.
رقم مجهول.
آية ردت.
ماحدش اتكلم.
بس بعد ثواني…
سمعت صوت ست عجوز بتبكي.
«آية…»
آية شهقت.
«مين؟»
الصوت قال:
«أنا أمك.»
آية وقعت منها الموبايل.
والكل بص لها.
لأن أمها…
كانت المفروض تكون اختفت من سبعتاشر سنة.آية فضلت واقفة مكانها، والموبايل واقع عند رجليها.
ولا كلمة خرجت منها.
ياسين انحنى بسرعة وأخذ الموبايل.
«ألو؟»
الصوت سكت ثواني.
وبعدين قالت الست:
«إنت ياسين؟»
ياسين اتجمد.
«أيوه.»
«كنت عارفة إنك هتوصل لها في يوم.»
«إنتي مين؟»
الصوت ارتعش.
«أنا سعاد.»
ياسين بص لآية.
آية كانت بتبص له ودموعها نازلة.
«ماما؟»
سعاد سمعت صوتها.
وسكتت.
وبعدين بدأت تعيط.
«آية… سامحيني.»
آية مسكت الموبايل من إيد ياسين.
«إنتي فين؟»
«مش هقدر أقول.»
«ليه؟»
«علشان لو عرفوا مكاني، هيقتلوكي.»
آية شهقت.
«مين؟»
سعاد سكتت لحظة.
«الناس اللي قتلوا جدك.»
الحاجة فاطمة صرخت:
«أبوكي مات من عشرين سنة يا سعاد!»
سعاد ردت بصوت مكسور:
«مش أبوها.»
الكل سكت.
«مين؟»
«الرجل اللي كان بيحرك كل حاجة من ورا الستار.»
ياسين قرب من آية.
«مين؟»
سعاد قالت:
«مروان.»
آية بصت لمروان.
مروان نفسه اتصدم.
«أنا؟»
ياسين لف له.
«سعاد، إنتي بتقولي إيه؟»
«أنا ما أقصدش مروان أخوك.»
سكتت.
«فيه مروان تاني.»
ياسين عبس.
«مين؟»
«ابن عمكم.»
مروان الحقيقي رجع خطوة.
«ابن عمي؟ حسام؟»
سعاد قالت:
«أيوه.»
ياسين افتكر.
حسام الجبالي.
ابن عمه اللي اختفى من العيلة من سنين، والكل قال إنه سافر بره مصر.
«هو فين؟»
«قريب منك.»
ياسين بص حوالين البيت.
«فين؟»
«في نفس المكان اللي إنت واقف فيه.»
الكل اتجمد.
وفجأة…
الباب الخارجي اتقفل بعنف.
صوت مفتاح اتلف في القفل.
ياسين جرى ناحية الباب.
مقفول.
مروان بص للشبابيك.
«إحنا محاصرين.»
كمال مسك العصاية.
«كان لازم نمشي أول ما وصلت.»
عادل بص له.
«هو عرف إننا هنا.»
آية قربت من جدتها.
«ماما قالت إنه قريب.»
الحاجة فاطمة قالت:
«آية… متبصيش وراكي.»
آية اتجمدت.
لكنها بصت.
وكان واقف في نهاية الممر…
راجل لابس قميص أسود.
وشه هادي.
وفي إيده مسدس.
حسام.
ابتسم.
«ماماكي كانت دايمًا بتعرف تختار الوقت المناسب للكلام.»
ياسين وقف قدامه.
«إنت اللي ورا كل ده؟»
حسام ضحك.
«أنا بس كملت اللي بدأه الكبار.»
«أمي فين؟»
«آية أهم.»
ياسين قرب خطوة.
«إياك تقرب منها.»
حسام رفع المسدس.
«إنت لسه فاكر إنك صاحب القرار؟»
مروان وقف جنب أخوه.
«إحنا اتنين.»
حسام ابتسم.
«وأنا مش لوحدي.»
في نفس اللحظة، أصوات خطوات بدأت تقرب من بره.
كتير.
ياسين بص لمروان.
مروان فهم.
كانوا محاصرين.
حسام قال:
«هاتوا الفلاشة.»
كمال خبّاها.
«مش هتاخدها.»
حسام وجه المسدس ناحية آية.
«آخر مرة هطلب.»
آية بصت لياسين.
ولأول مرة من بداية الليلة، شافت في عينيه خوف حقيقي.
لكنها فجأة افتكرت الرسمة.
الكرسي.
الشال.
الخاتم.
وقالت:
«أنا عندي حاجة أهم من الفلاشة.»
#حكايات_شروق_خالد
حسام ضحك.
«إيه؟»
آية رفعت الورقة اللي كانت لسه ماسكاها.
«الدليل اللي إنتوا كلكم نسيتوا إن حد شافه.»
حسام وشه اتغير.
ياسين فهم.
«الرسمة.»
آية هزت راسها.
«أنا ما رسمتش الكرسي بس.»
حسام قرب.
«إنتي بتهددي مين؟»
آية قالت:
«أنا رسمت وش الشخص اللي كان واقف جنب أمي في الصورة.»
حسام اتجمد.
«مستحيل.»
آية ابتسمت رغم دموعها.
«مش مستحيل.»
وبعدين رفعت الورقة.
«لأنك كنت واقف ورايا في الصورة.»
حسام بص للورقة.
ولأول مرة…
الخوف ظهر في عينه.
ياسين خطف اللحظة.
اندفع ناحيته.
المسدس وقع.
ومروان مسك حسام من الخلف.
لكن حسام قاوم بعنف.
وفجأة دوّى صوت رصاصة.
الكل سكت.
آية بصت على ياسين.
ياسين كان واقف.
لكن الدم كان نازل من كتفه.
آية صرخت:
«ياسين!»
ياسين حط إيده على كتفه.
وبالرغم من الألم، بص لها وقال:
«أنا كويس.»
وبعدين بص لحسام.
«دلوقتي… هتقول لنا أمك فين.»
حسام ضحك.
«حتى لو قلت… مش هتلحقوا تنقذوها.»
آية قربت منه.
«ليه؟»
حسام بص لها.
«لأنها في المكان اللي بدأت فيه الحكاية كلها.»
آية همست:
«فين؟»
حسام قال:
«في فيلا الجبالي القديمة.»
ياسين اتجمد.
لأن الفيلا دي…
كانت مهجورة من سبعتاشر سنة.
ومن يوم الحادث…
محدش دخلها.
وفجأة…
موبايل آية رن تاني.
نفس الرقم المجهول.
ردت.
وسمعت صوت أمها:
«آية… لو لسه عندك الرسمة، ماتجيش هنا.»
آية قالت:
«ليه؟»
سعاد ردت:
«علشان أنا مش لوحدي.»
وبعدها انقطع الخط.
ياسين بص لها.
«يعني إيه مش لوحدها؟»
آية رفعت عينيها.
«ماما معاها حد.»
«مين؟»
آية بصت للرسمة.
وعلى الكرسي الفاضي…
كان فيه الآن تفصيلة جديدة ظهرت من تحت الفحم.
يد رجل.
وفي إصبعه…
نفس الخاتم.
ياسين قرب من الورقة.
وهمس:
«ده مش خاتم أمّي.»
عادل قال:
«لأ.»
وسكت لحظة.
«ده خاتم أبوك.»
الكل اتجمد.
لأن أبو ياسين…
كان المفروض إنه مات من خمس سنين.ياسين فضل باصص للرسمة كأنه مش قادر يستوعب.
«أبويا عايش؟»
عادل هز راسه.
«أبوك ما ماتش.»
حسام ضحك من مكانه.
«أخيرًا بدأتوا تفهموا.»
ياسين قرب منه.
«فينه؟»
حسام ما ردش.
لكن الحاجة فاطمة قالت بصوت مرتعش:
«في الفيلا القديمة.»
ياسين بص لمروان.
«هنروح دلوقتي.»
آية مسكت دراعه.
«وأنا جاية معاك.»
«لأ.»
«دي أمي.»
ياسين بص لها.
«وعلشان كده مش هسمحلك تعرضي نفسك للخطر.»
آية ردت:
«وأنا مش هسيبك تدخل لوحدك.»
لأول مرة، ياسين ابتسم رغم الدم اللي على كتفه.
«عنيدة.»
«وأنت متسلط.»
مروان قال:
«خلصنا؟ نروح نجيب الناس اللي مستخبيين بقالهم سنين.»
—
وصلوا الفيلا القديمة بعد منتصف الليل.
الباب كان مفتوح.
المكان كله غارق في الظلام.
دخل ياسين وهو ماسك كشاف الموبايل.
البيت كان زي ما سابه من سنين.
لكن على الحيطة…
كانت فيه صورة كبيرة لوالدته.
آية وقفت قدامها.
«دي الست اللي كنت بترسمها؟»
ياسين هز راسه.
«أيوه.»
وفجأة سمعوا صوت.
«ياسين.»
اتجمد.
الصوت جاي من آخر الممر.
صوت أبوه.
مروان قال:
«مستحيل.»
ظهر رجل عجوز من الظلام.
شعره أبيض.
وجهه متعب.
لكن ملامحه واضحة.
ياسين بص له.
«أبويا؟»
الرجل قال:
«أنا آسف.»
ياسين اندفع ناحيته.
«إنت عايش كل السنين دي؟!»
«كنت بحاول أحميكم.»
ياسين صرخ:
«تحمينا من إيه؟ من نفسك؟»
الرجل سكت.
#حكايات_شروق_خالد
وبعدين قال:
«أنا غلطت.»
آية وقفت قدامه.
«فين أمي؟»
الرجل أشار للغرفة المقفولة.
«جوا.»
آية جريت.
فتحت الباب.
وسعاد كانت هناك.
أكبر بسنين، وشعرها أبيض، لكن عينيها كانت نفس عيون الصورة.
آية وقفت مكانها.
«ماما؟»
سعاد بصت لها.
ودموعها نزلت.
«آية.»
آية جريت عليها وحضنتها.
ولأول مرة من سبعتاشر سنة…
الأم والبنت اتقابلوا.
ياسين وقف بعيد.
عادل دخل بعدها.
سعاد بصت له.
«سامحني.»
عادل هز راسه.
«المهم إنك رجعتي بنتنا.»
سعاد قالت:
«أنا ما كنتش عارفة إنها هتلاقيكم.»
آية سألت:
«ليه كل ده حصل؟»
سعاد مسحت دموعها.
«علشان أبو ياسين كان عايز ياخد نصيب عادل كله، وكان مستعد يعمل أي حاجة.»
ياسين بص لأبوه.
«وإنت؟»
الرجل نزل عينه.
«سكت.»
«سكت؟»
«أيوه.»
«وسكت عن موت أمي؟»
«أمك ما ماتتش بسببي.»
«لكنها اختفت بسببه.»
الأب سكت.
وبعدين قال:
«كنت جبان.»
ياسين ما ردش.
كان الغضب جواه أكبر من أي كلمة.
في اللحظة دي، مروان دخل ومعاه الشرطة.
حسام وكمال اتقبض عليهم، وبعد التحقيقات ظهرت المستندات اللي تثبت كل حاجة.
الوصية.
الأملاك.
اختفاء سعاد.
وتزوير وفاة عادل.
أما والد ياسين، فاعترف بكل اللي عمله.
وبعد شهور…
رجعت حقوق آية كاملة.
لكن آية ما اهتمتش بالفلوس.
اختارت جزء من البيت القديم وحولته لدار صغيرة لتعليم الرسم للأطفال اللي ما عندهمش فلوس.
أما جدتها فكانت كل يوم تقعد قدام الباب وتقول:
«أهو ربنا رجع الحق لأصحابه.»
وياسين؟
ما رجعش يشوف آية كخدامة في بيته.
شافها كإنسانة موهوبة.
وكست قدرت تكشف سر عيلة كاملة بقلم فحم.
وفي يوم افتتاح دار الرسم، وقف ياسين قدام أول لوحة علقتها آية.
كانت نفس اللوحة القديمة.
الكرسي الفاضي.
لكن المرة دي…
الكرسي ما كانش فاضي.
كانت آية رسمت عليه جدتها.
وعلى يمينها أمها.
وعلى الناحية التانية ياسين ومروان.
وتحت اللوحة كتبت جملة صغيرة:
«مش كل حاجة بنحاول نخبيها بتختفي… ساعات الحقيقة بتستنى حد يشوفها.»
ياسين وقف جنبها.
«لسه بتقولي إنك فنانة؟»
آية ضحكت.
«لأ.»
«ليه؟»
«دلوقتي بقيت متأكدة.»
ياسين ابتسم.
«وأنا كمان.»
وبص للوحة.
«أحلى رسمة شفتها في حياتي.»
آية بصت له.
«علشان رسمتك فيها؟»
«لأ.»
قرب منها وقال:
«علشان أخيرًا مفيش فيها كرسي فاضي.»
وبعد سبعتاشر سنة من الأسرار…
الحقيقة أخيرًا خرجت للنور.
والبنت اللي دخلت فيلا الجبالي يوم علشان تاخد شوية أكل لجدتها…
خرجت منها وهي مالكة اسمها، وحقها، وعيلتها…
وأهم من كل ده…
خرجت وهي عارفة إن موهبتها اللي كانوا بيضحكوا عليها…
كانت هي المفتاح اللي فتح كل الأبواب المقفولة
.«الخدامة اللي رسمت سر المليونير»
القديمة اللي محدش كان بيسمح لها تدق من يوم ما آسر الجبالي مرض.
مريم عدّلت وقفتها ببطء.
آسر كان قاعد مسنود على تلات مخدات، وتحت رجليه بطانية صوف رمادي.
عنده ستة وتلاتين سنة، لكن المرض هدّ جسمه لدرجة إن الراجل اللي كانت الناس بتخاف من اسمه بقى مجرد ظل لنفسه.
من ست شهور بس، كانت صورته ماليّة مجلات البيزنس.
آسر الجبالي، رجل الأعمال اللي كان بينزل من عربيات سودا فارهة، لابس بدل غالية، ووشه مابيضحكش، وورا ضهره رجالة أكبر منه بسنين.
كان مالك مخازن وشركات نقل ومطاعم وشركات مقاولات، وعنده علاقات كتير في القاهرة والإسكندرية والصعيد.
قدام الناس كانوا بيسموه رجل أعمال.
لكن جوه المناطق الشعبية، الناس كانت بتقول عليه كلام تاني.
وكان اسمه لوحده كفاية يخلي ناس كتير تسكت.
مريم كانت بتشتغل في بيته بقالها سنة ونص.
طول الفترة دي، عمره ما لمسها.
ولحد من تلات أسابيع، كان بالكاد بيتكلم معاها.
لكن دلوقتي، نفسه بقى ضعيف لدرجة إنها كانت سامعة الوقفة الصغيرة بين كل نفس والتاني.
يا فندم؟
مرة واحدة.
قالها بصوت مبحوح فقد كل قوته القديمة.
مرة واحدة بس.
مريم بصت ناحية الباب.
كان مفتوح سنة صغيرة، زي ما الدكتور طلب كل مرة حد من الخدم يدخل أوضته.
برا، كانت مديرة البيت، الست عواطف، واقفة بدفترها في إيدها، وبتراقب كل حاجة بعينيها اللي مبتفوتش تفصيلة.
مريم رجعت بصت لآسر.
إنت كبّيت الشاي على الأرض.
عينيه ضاقت.
إيه؟
مفيش بقعة جنب الكوباية. الكوباية اتحدفت بعيد. أشارت للبقعة اللي جنب الكنبة. إنت رميتها هناك علشان الست عواطف تبعت حد ينضف.
ظهر للحظة الراجل القديم على وش آسر.
أنا طلبتها تيجي.
كانت هتسألك ليه.
فديتلها سبب.
وده مش أحسن يعني.
فضل باصص لها.
معظم الناس عمرهم ما كانوا بيتكلموا مع آسر الجبالي بالطريقة دي.
مريم كانت عارفة.
والبيت كله كان عارف.
اسمه كان كفاية يخلّي شراكة تنتهي، أو فلوس تختفي، أو حد يخسر شغله.
وكانت فيه حكايات كتير بتتقال عنه في السر، لكن مريم عمرها ما صدقت أي واحدة منها.
الموت، أو الإحساس إن الموت قريب، كان بيغيّر الواحد.
والمرض كمان.
مريم انحنت، خدت الفوطة، وعصرتها فوق الجردل.
لازم أخلص شغلي.
مريم.
وقفت.
دي كانت أول مرة ينطق اسمها الليلة دي.
آسر مد إيده وفتح درج الكومودينو اللي جنبه.
مريم توقعت يطلع الدوا.
لكنه طلع كيس صغير من القماش.
معدتها اتقبضت.
الكيس كان قد كف إيدها تقريبًا، ومخيط بخيط أزرق.
إيدها راحت من غير ما تحس لجوه كمّ هدومها.
إنتِ وقع منك ده من أربع أسابيع.
مريم بصت له.
إنت فتشت حاجتي؟
بعتّه يتفحص.
عينيها وسعت.
إيه؟
بعتّه معمل.
لثواني افتكرت إنها مش سامعة صح.
لكن آسر كمل
قشر برتقال ناشف، خشب أرز، لافندر… مفيش أي مادة تانية.
الأوضة كلها كأنها لفت بيها.
إنت بعت الكيس بتاعي لمعمل؟
دفعت لهم علشان يعرفوا كل حاجة فيه.
كان ممكن تسألني.
كنت عايز أعرف هو إيه.
وده اسمه إنك تسأل.
شد فكه.
واضح إنه مش متعود يبرر تصرفاته لحد.
عملت سبعة وتلاتين تحليل دم.
سكت لحظة.
وأربع أشعات. وكشوفات قلب مرتين. وفحوصات أعصاب ورئة. عندي أجهزة تحت في البيت تمنها أكتر من بيوت ناس كتير، وبرضه محدش عارف ليه حالتي بتسوء.
مريم سكتت.
في تمن أسابيع، نمت ليلة كاملة تسع مرات.
رفع عينه لها.
التسع مرات دول كلهم كنتِ شغالة في الدور ده.
طبعًا كان راجع مواعيدها.
مريم بصت للكيس اللي في إيده.
وعشان بتنام وأنا هنا، قررت إن السبب حاجة أنا بحملها؟
لو كنتِ مكاني، كنتِ هتفكري في إيه؟
كنت هبدأ بسؤال.
عن إيه؟
إذا كنت فتحت شباك. أو حرّكت كرسي. أو طفيت حاجة. أو غيرت طريقة التنضيف.
عينيه اتحركت بعيد عنها.
ناحية المدفأة.
مريم بصت لنفس الاتجاه.
فوق المدفأة كان فيه جهاز أبيض صغير لتعطير الجو، حجمه قد فنجان القهوة، وبيطلع بخار خفيف في الأوضة.
مريم راحت ناحيته وضغطت الزر.
النور الأزرق اختفى.
والبخار وقف.
آسر بص لها.
إنتِ دايمًا بتعملي كده.
أيوه.
ليه؟
الريحة بتجيبلي صداع.
الدكتور قال إنها بتخلي الأوضة معقمة.
مريم بصت له باستغراب.
بالفانيليا؟
مركب أرز.
ريحته زي محل عطور فاتح جنب مخزن زبالة.
طرف شفايف آسر اتحرك، كأنه كان هيضحك.
لكن فجأة نفسه اتقطع.
مريم اتوترت.
آسر قفل عينيه، وحط إيده على صدره لحد ما النوبة عدّت.
لما فتح عينيه تاني، الراجل اللي كل الناس بتخاف منه بان أصغر من سنه بكتير.
خليكي.
قالها بصوت واطي.
مريم حسّت بحاجة بتشد قلبها.
وكرهت الإحساس ده.
مش شفقة.
الشفقة كانت سهلة.
دي كانت حاجة تانية.
كانت فاهمة الإحساس.
أبوها كان بيتنفس بنفس الطريقة قبل ما يموت.
مش في آخر يوم.
قبلها بوقت.
وقت ما كل الناس كانوا لسه بيقولوا إن التعب هيعدي.
مريم رجعت خطوة.
لأ.
آسر رمش.
يمكن كانت أول مرة حد يرفضه في وشه بالشكل ده.
أدفع لكِ.
وشها اتغير.
كده الموضوع بقى أسوأ.
أنا ماقصدتش
لأ، قصدت.
حطت الفوطة على طرف الجردل.
إنت راقبت مواعيد شغلي. وأخدت حاجة من هدومي وبعتها تتفحص من غير ما تستأذن. ودلوقتي بتعرض عليا فلوس علشان عايز جسمي يبقى قريب منك.
وش آسر جمد.
لما بتقوليها كده…
أقولها إزاي؟
سكت.
وبعدين قال
أنا بموت.
الكلمتين خرجوا منه بصعوبة.
مريم شافته.
ولأول مرة من ساعة ما اشتغلت في البيت، آسر الجبالي بان عليه الندم.
مش إحراج.
ندم حقيقي.
نزل عينه للكيس القماش اللي في إيده.
وبعد لحظة قال
طب قوليلي… أسأل إزاي؟
إيد مريم ارتخت حوالين مقبض الجردل.
هو استنى.
المرة دي استنى فعلًا.
مريم راحت ناحية الشباك الطويل اللي جنب السرير.
كان الشباك مقفول بالدهان.
الدهان الأبيض حوالين الجزء السفلي كان منفوش، وفيه فقاعة طرية بحجم كف إيدها.
ضغطت عليها.
الخشب اتحرك تحت صوابعها.
آسر تابعها بعينيه.
إيه ده؟
معرفش.
حركت إيدها ناحية الحيطة اللي ورا السرير.
ورق الحيطة الرمادي الغالي كان مرفوع شوية عند طرف معين.
كانت لاحظت ده من شهرين.
بس محدش غيرها خد باله.
حطت صوابعها عليه.
المحارة كانت ساقعة.
ساقعة بشكل غريب.
مين اللي صلّح التسريب؟
آسر عقد حواجبه.
تسريب إيه؟
مريم بصت له.
وبعدين قربت أكتر من الحيطة.
هنا.
حطت إيدها على المكان.
الحيطة دي فيها مية.
آسر حاول يقوم من مكانه، لكن جسمه خانَه، ورجع وقع على المخدة.
مريم…
استنى.
بدأت تتحسس الحيطة بإيدها.
مكان بارد.
ومكان تاني دافي.
ومكان تالت فيه رطوبة.
وبعدين سمعت صوت خفيف جدًا.
تك…
تك…
تك…
وقفت.
بصت لآسر.
سمعت؟
سمعت إيه؟
قربت ودانها من الحيطة.
الصوت رجع.
تك…
تك…
تك…
مريم رجعت خطوة.
في حاجة ورا الحيطة.
آسر بص لها بعدم تصديق.
مستحيل.
أنا سامعة.
الحيطة دي اتبنت من سنين.
يبقى اللي وراها موجود من سنين.
في اللحظة دي، الباب اتفتح أكتر.
الست عواطف ظهرت.
يا مريم، خلصتي ولا لسه؟
مريم ما ردتش.
كانت لسه باصة للحيطة.
عواطف قربت خطوتين.
في إيه؟
مريم بصت لها.
مين اللي صلّح التسريب هنا؟
وش الست عواطف اتغير.
تغير بسيط جدًا.
لكن مريم لاحظته.
تسريب؟
أيوه.
مفيش تسريب.
أنا حاسة بالمية في الحيطة.
عواطف قربت بسرعة وحطت إيدها على المكان.
وبمجرد ما لمسته…
سحبت إيدها.
آسر لاحظ.
إيدك اتلسعت؟
لأ.
يبقى ليه سحبتيها؟
عواطف بلعت ريقها.
عادي يا فندم.
مريم بصت لها.
إنتِ عارفة حاجة.
أنا؟ لأ طبعًا.
آسر رفع عينه لها.
نظرة واحدة منه كانت كفاية تخلي عواطف تتوتر.
مين لمس الحيطة دي؟
معرفش.
عواطف.
صوته كان ضعيف.
لكن رجع فيه شيء من آسر القديم.
آخر مرة هسأل.
عواطف سكتت.
وبعدين قالت بصوت واطي
السباك.
إمتى؟
من شهرين.
مريم بصت لآسر.
آسر بص لها.
وأنا كنت تعبان وقتها.
عواطف هزت راسها.
الدكتور قال إن الأوضة لازم تفضل مقفولة، فاضطرينا نصلحها من غير ما نفتح حاجة قدام حضرتك.
مريم قربت من الحيطة.
إنتوا فتحتوا إيه؟
عواطف ما ردتش.
وفجأة…
الصوت رجع.
تك…
تك…
وبعده صوت احتكاك خفيف.
كأن حد…
بيخبط من الناحية التانية.
مريم تجمدت.
آسر بص للحيطة.
مريم… ابعدي.
ليه؟
ابعدي دلوقتي.
لكن قبل ما تتحرك…
جاءت خَبطة واحدة قوية من جوه الحيطة.
دُم!
وانطفى نور الأوضة كله.
آسر مد إيده في الضلمة.
مريم! متتحركيش!
لكن مريم كانت سمعت حاجة تانية.
صوت نفس.
مش صوت آسر.
صوت نفس حد…
واقف ورا الحيطة مريم حست إن الدم اتجمد في عروقها.
النَفَس كان واضح.
بطيء…
متقطع…
وشهيق طويل، وبعده زفير مكتوم.
والمكان الوحيد اللي ممكن يطلع منه الصوت كان الحيطة اللي ورا سرير آسر.
يا فندم…
صوتها طلع واطي.
أنا سامعة حد.
آسر رد فورًا
عارف.
سكتت لحظة.
إنت كمان سامعه؟
أيوه.
في الضلمة، صوت عواطف طلع مرتعش
أكيد ده صوت المواسير.
آسر صرخ
اسكتي!
الست عواطف سكتت فورًا.
مريم مدت إيدها قدامها تتحسس الطريق، لكن آسر مسك رسغها.
ماتتحركيش.
إنت ماسكني ليه؟
علشان لو اللي ورا الحيطة عايز يدخل، مش عايزك تبقي قدامه.
وإنت؟
ضحك ضحكة قصيرة من غير أي فرحة.
أنا أصلًا نص خطوة عن الموت.
سحب إيده منها.
خليكي ورايا.
مريم بصت له رغم إنها مش شايفاه.
إنت مش قادر تقف.
يبقى أقعد.
سمعت صوت حركة السرير، وبعدها صوت جسمه وهو بيحاول يرفع نفسه.
آسر!
ما تخافيش.
إنت وقعت!
لسه.
حاول مرة تانية.
لكن جسمه ما استجابش.
وفجأة…
الحيطة خبطت.
دُم!
عواطف شهقت.
يا ساتر يا رب!
مريم اتحركت ناحية الصوت.
آسر قال بسرعة
مريم، لأ!
لكنها كانت وصلت للحيطة بالفعل.
مدت إيدها.
الرطوبة
