
أحضرت ابنتي مجسمًا من الورق المقوى لولد إلى حفل التخرج. ضحك زملاؤها، وهددها ناظر المدرسة بمنعها من الصعود إلى المسرح. لكني كنت أعرف ما حدث بينهما، ولماذا أحضرته معها.
حتى أنها ألبسته روب التخرج وقبعة بنفس لون روب باقي الفصل.
همست لي في ذلك الصباح قائلة: “يا ماما، ادعي لي ما حدش يضايقني. أنا لازم أعمل ده بنفسي.”
وعدتها. لكنني لم أكن أعلم مدى صعوبة الإيفاء بهذا الوعد.
بمجرد أن دخلنا فناء المدرسة، بدأ الناس يحدقون بنا.
ضحك شخص ما قائلاً: “هي دي خطوبتها مع الكرتون ولا إيه؟”
وقالت فتاة أخرى وهي تخرج هاتفها: “ده منظر بجد؟!”
سمعت حبيبة كل كلمة. لكنها اكتفت بتعديل قبعة التخرج الخاصة بالولد الورقي وواصلت المشي.
ثم لمحها الأستاذ رفعت، ناظر المدرسة.
“يا حبيبة، عيب كده خالص! ده حفل تخرج مش مهرجان.”
“مش مهرجان يا فندم.”
“امسكي الحاجة دي ارميها. إنتِ بتكسفي نفسك وبتلغبطي الحفل.”
هزت ابنتي رأسها.
“أرجوك يا فندم. أنا بس عايزاه يتخرج معايا ويطلع المسرح.”
“شيلي الحاجة دي، وإلا مش إنتِ طالعة المسرح أصلاً!”
ضحك مجموعة من الطلاب مرة أخرى.
وقفتُ من مكاني، مستعدة لأحكي له عن كل حاجة. لكن حبيبة التفتت نحوي وهزت رأسها حركة بسيطة برفض.
وعدنا.
لذلك جلست مكاني وأنا أراقبها وهي تسند الولد الورقي بحرص إلى الحائط.
واستمر الحفل.
طالب ورا طالب، والكل بيطلع المسرح عشان يستلم الشهادة.
وبعدين نادى الناظر باسمها، فوقفت ابنتي.
ولكن بدل ما تطلع ناحيته، انحنت والتقطت مجسم الورق المقوى.
صاح الناظر بعصبية: “يا حبيبة! مش أنا قلتلك سيبي الحاجة دي مكانِه؟!”
وقفت جنب الميكروفون اللي قريب من سُلم المسرح.
“أرجوك يا فندم. اديني ٣٠ ثانية بس.”
مد الناظر يده عشان يقفل الميكروفون، بس حبيبة تكلمت بسرعة قبل ما يلحق.
“قبل ما تضحكوا عليه تاني، في حاجة لازم تعرفوها عن الولد اللي في الصورة دي.”
طلعت ورقة متطبقة من روب التخرج ومدتها للناظر.
بص في أول السطر، وبعدين رجع بص للولد الورقي.
ملامح وجهه اتغيرت تماماً.
“إنتِ جبتي الورقة دي منين؟!”
#حكايات_شروق_خالد
“من الشخص الحقيقي اللي وراء الصورة دي يا فندم؟” كملت حبيبة بصوت ثابت، وهي باصة لكل الموجودين في القاعة اللي عمّ سكون تام بينهم، كأن الطير على رءوسهم.
الأستاذ رفعت بلع ريقه بصعوبة، ونظراته تنقلت بين الورقة وبين المجسم الكرتوني، وقال بصوت مهتز: “يوسف… هو ده يوسف ابن أختي؟ اللي… اللي توفى السنة اللي فاتت؟”
هزت حبيبة راسها بنعم، ودموعها لمعت في عيونها وهي بتقول: “يوسف الله يرحمه كان المفروض يتخرج معانا النهاردة… وفي نفس اليوم ده السنة اللي فاتت، وقبل الحادثة بأسبوع بالظبط، كنا قاعدين على الديسك ده، وكان دايماً بيقولي: ‘أنا مش بس هتخرج معاكي يا حبيبة، ده أنا هخلي لجان الامتحان كلها تتكلم عننا، وهنطلع المسرح سوا وناخد الشهادة جنب بعض’.”
سكتت لحظة، مسحت دموعها بسرعة وكملت: “لما راح مننا، حسيت إن حلمنا انتهى… بس أنا وعدته إن روحه هتكون حاضرة هنا، وإننا هنتخرج مع بعض مهما حصل، حتى لو كان على هيئة ورق مقوى.”
القاعة كلها اتجمدت. البنات اللي كانوا بيضحكوا من شوية نزلوا عيونهم في الأرض باحترام وكسوف، وبعض الأمهات بدأت تعيط بصوت واطي.
الأستاذ رفعت ساب الميكروفون من إيده، وغمض عيونه لحظة وكأنه بيستوعب الصدمة، وبعدين بص لحبيبة وعيونه دمعت. قرب منها بخطوات بطيئة، وخد المجسم الكرتوني بحنان لأول مرة، وعدل له قبعة التخرج اللي مالت شوية.
مسك الميكروفون وقال بصوت غلبته النبرة المؤثرة: “يا حبيبة… تعالي.”
وبدل ما يطلب منها تطلع لوحدها، نزل هو بنفسه ومسك إيدها في إيد، والمجسم الكرتوني في الإيد التانية، وطلعوا هما التلاتة على المسرح مع بعض.
التصفيق انفجر في القاعة كلها، تصفيق حار وطويل كأن مافيش أجمل ولا أصعب من اللحظة دي. بصيت عليها من مكاني، وأنا حاسة بقلبي بينبض بفخر ووجع في نفس الوقت، وشوفت في عيون بنتي طاقة وصبر الدنيا كلها، وهي بتثبت للكل إن الوعد اللي بيطلع من القلب… عمره ما بيموت أبدًا.
#حكايات_شروق_خالد
مدت إيديها واستلمت شهادة التخرج ودرع التكريم عن الموقف، والمدير بنفسه هو اللي علّق لها الميدالية وربت على كتفها قدام الكل وهو بيبتسم باعتذار وتقدير.
لما نزلت من على المسرح وجات ناحيتي، جريت حضنتها جامد وعيطنا إحنا الاتنين. همست في ودنها وأنا باصة للولد الورقي: “هو شايفك يا حبيبة، وفرحان بيكِ دلوقتي أكتر من أي حد.”
ابتسمت ودموعها في عينها، وقالت: “عارفة يا ماما… عشان كده قدرت أكمل.”
روحنا البيت بعد الحفل، وكل أصحابها اللي ضحكوا في الأول جم سلموا عليها واعتذروا لها، وبقت قصتها حديث المدرسة كلها. وفي أوضتها، حطت المجسم الورقي جنب شهادة التخرج على المكتب، وفضل مكان يوسف محفوظ في قلبها وفي كل خطوة بتخطوها لحد النهاردة.
حكاية تخرج
حكايات شروق خالد
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




