
تعبت سبع أيام بحالها من صداع بيقطع في راسي، وجوزي وأمه قاعدين يحلفوا لي: “ده إرهاق وعادي، بلا دكتورة بلا وجع دماغ.” وفي الآخر، زهقت ونزلت استخبيت وطلبت تاكسي رحت بيه المستشفى لوحدي.
الدكتور كان بيقيس لي وبيكشف عليا، وفجأة اتسمّر مكانه وصرخ بصوت عالي لممر الممرضات: “اطلبوا الجهات فوراً!” فضلت نايمة على السرير ونازلة في صدمة، وأنا حاسة ومتأكدة إن اللي جوزي كان مخبيه عني أوسخ وأصعب بكتير من اللي كنت متخيلته.
في سابع يوم من الصداع اللي ملوش آخر، حسيت كأن فيه شق الحيط بيحفر جوه دماغي. قلبت جيوب روب الحمام على كل قرش وكل جنيه ورق مقطوع عشان أجمع ثمن التاكسي اللي هيوديني المستشفى اللي جوزي حذرني ألف مرة أطأها برجليه.
كنت حافية، ومفيش في رجلي غير شبشب حمام قديم، ولابسة بنطلون ترنج واسع بتاع جوزي فوق قميص النوم. رجلي كانت كأنها كتلتين خشب، وكل خطوة كانت بتشك فيها آلاف الدبابيس.
شوية كده، ودخل الدكتور ميشيل أوضة الكشف في الطوارئ بمستشفى في مصر الجديدة. كان راجل كبير شوية في أواخر الخمسينات، كتافه منحنية، وعينه دبلانة، بس إيديه كانت حنونة بشكل غريب.
نقر ركبتي بالمطرقة الصغيرة بتاعت الفحص. رجلي يا دوب اتحركت حركة بسيطة كادت ما تتبانش.
سألني وهو بيكتب في الورق: “من امتى وأنتِ حاسة بالتنميل والصداع ده؟”
رديت بصوت هامس مسموع بالعافية: “من شهور.. كنت فاكرة عشان زعلانة على أبويا وأمي. بس جوزي فضل يقنعني إن ده كله تهيؤات في دماغي، وإن جسمي عشان متوتر مش أكتر، وكان ديماً يقولي أنتِ مش محتاجة دكتورة ولا يحزنون.”
هز راسه بجدية، وسلط كشاف صغير في عيني، وطلب مني أضغط على صوابعه بكل قوتي.
وبعدين مسك معصمي الشمال بالراحة عشان يشوف النبض.
كم الروب الواسع وقع لتحت فجأة.
وهنا.. الدكتور وقف مكانه كأنه تمثال ومتحركش.
أربع كدمات سودا وبيضاويين كانوا واضحين جداً على باطن معصمي.
كانوا محطوطين في خط واحد مظبوط، وشكلهم بينطق ويقول إن دي علامة أصابع إيد ضغطت بكل غل وقسوة على جلدي.
وش الدكتور انقلب في ثانية وبقى حد السيف: “مين اللي عمل فيكي كده؟”
نزلت عيني على البلاط الأبيض، وقولت بصوت مكسور: “جوزي.. هو كان بيساعدني.. يعني لما كنت هاوقع.”
مقيّمش الدكتور ولا كلمة، وعينه نزلت فجأة على أظافري.
خطوط بيضاء رفيعة كانت ماشية بالعرض على كل ظفر في إيدي.
إيده كانت لسه ماسكة إيدي، بس هو بقى ساكن تماماً.
الجو في الأوضة اتقلب وبقى مكتوم وثقيل.
من غير أي مقدمات، لف الدكتور ميشيل ناحية الاستقبال وصرخ بصوت عالي وصارم لدرجة إن الدم جمد في عروقي: “كلموا الجهات حالاً! وممنوع.. تحت أي ظرف.. إن الست دي تخرج من الدور ده!”
وفي نفس الثانية بالضبط، تليفوني اللي كان محطوط على رجلي اهتز وربط في بعضه من رسالة جات.
رسالة من “زياد” ظهرت على الشاشة: أنا عارف أنتِ في أنهي مستشفى.. إياكي تخلي حد يديكِ علاج. أنا وأمي جايين في الطريّق.
فضلت باصة للشاشة، وصوابعي تلجت ومكنتش قادرة أتحرك…
قلبي دق بجنون وخبط في ضلعي لدرجة حسيت إنه هيطلع من مكانه. عينيا فضلت باصة على شاشة الموبايل وهي بتتهز بين إيديا اللي بترتعش.
الكلام اللي كتبه زياد نزل عليا زي الصاعقة. هو مش بس عارف أنا فين.. هو بيراقبني، وعارف إني كشفت السر اللي كان مخبيه.
الدكتور ميشيل لاحظ وشي اللي خطف ألوانه وبقى أصفر زي الميت، فوطى عليا بسرعة وقبض على كتفي وقال بصوت حازم ودافئ في نفس الوقت: “ماتخافيش خالص.. أنتِ هنا في أمان، ومفيش مخلوق هيقدر يقرب منك مدام دخلت باب المستشفى ده. سامعاني؟”
هزيت راسي بصعوبة بالغة ودموعي نزلت على خدودي بغزارة وأنا بقول بصوت مكسور: “يا دكتور.. هو جاي في الطريق هو وأمه.. هيؤذوني لو لقوني هنا.. أنت مش فاهم دول عاملين إزاي!”
قبل ما الدكتور يرد، سمعنا صوت دربكة وخطوات سريعة جاية من ناحية ممر الطوارئ برة الأوضة. ممرضة دخلت تجري وشها متبلور بالرعب وقالت بصوت عالي: “يا دكتور ميشيل! في راجل معاه ست كبيرة دخلوا من باب الطوارئ بيزعقوا بصوت عالي وبيسألوا على مريضة هنا.. وبيقولوا إنهم جوزها وأمه وعايزين ياخدوها غصب!”
الدكتور ميشيل شد على إيدي بقوة وقال بثبات: “أمن المستشفى زمانهم وصلوا.. مش هسيبهم يلمسوا شعرة منك.”
وفجأة، باب أوضة الكشف اتفتح بعنف، وظهرت وشوش زياد وأمه المرعبة وهي مالية المكان غضب وشر..
#حكايات_شروق_خالد
زياد دخل الأوضة وعينيه بتطق شرار، ووراها أمه (صفاء) اللي وشها كان مليان غضب، وقبل ما أي حد فيهم ينطق بكلمة، زياد صرخ بصوت عالي ملا الأوضة كلها:
“إنتِ اتجننتي؟! إزاي تيجي هنا من ورايا ومن غير ما أخد إذنك؟ قومي معايا حالا، بطلي تمثيل ودلع فاصخ!”
مريم كتمت صرخة ودارت بجسمها ورا ضهر الدكتور ميشيل وهي بتترتعش زي الورقة في الريح، وقالت بصوت مكسور ومرعوب: “ابعد عني.. متخليش يقرب مني يا دكتور! بالله عليك احميني منه!”
الدكتور ميشيل وقف قدام زياد بكل طوله وباسلحه ثبات، ورفع إيده يمنعه وقال بصوت حاد وصارم: “أنت رايح فين؟ اقف مكانك! المريضة مش هتروح معاك في حتة، والجهات في الطريق وهيوصلوا كمان دقايق!”
صفاء (الحماة) قربت بخطوات واسعة ووشها مقرفص من الغيظ، وقالت بصوت حاد وهي بتزعق: “جهات مين يا راجل إنت؟! دي مرات ابني وهي حرّة فيها! دي واحدة مجنونة وبتخرف، وإحنا عارفين مصلحتها أكتر منها.. وسّع كده ملناش كلام معاك!”
زياد مد إيده بعنف عشان يجذب مريم من دراعها ويشدها بره الأوضة، وهو بيقول بصوت واطي ومليان تهديد: “تعالي هنا يا بت، فضايحك كفاية لحد كده!”
بس في اللحظة دي، قبل ما إيد زياد تلمس مريم، باب أوضة الكشف اتفتح أكتر ودخل منه أمين شرطة وراجل كبير في لبس مدني، ومعاهم اتنين من أمن المستشفى. الأمين حط إيده على كتف زياد بقسوة وزقه لور وقال بصوت خشن: “على فين يا حلو؟ ارفع إيدك من عليها واعدل وقفتك وأنت بتكلم الجهات!”
زياد اتخض ووشه اتغير لونه، وبص لأمه بتوتر شديد وهو يحاول يبلع ريقه، وقال بتأتأة: “جهات إيه يا باشا؟ دي مراتي.. أنا بس باخدها بيتها عشان تعبانة!”




