
رحت أعمل مفاجأة لجوزي في الشغل — بس زميله سألني ودموعه في عينيه: “هو ملقلكيش أي حاجة، صح؟”
أنا وأحمد متجوزين بقالنا حداشر سنة. قضيت كل سنة منهم وأنا بشاركه مع المستشفى دي. كان جراح شاطر وموهوب، وكنت فخورة إن جوزي بينقذ حياة ناس كتير. بس خلال السنة الأخيرة، بقيت ألف أكل العشا بتاعه قبل حتى ما أقعد آكل نصيبي. ما حضرش معانا العيد، ولا عيد جوازنا، ولا حتى عيد ميلاد بنتنا التامن. وساعات ماكانش بيرجع البيت خالص.
“عندنا نقص في العمالة يا حبيبتي.. أرجوكي ما تستنينيش.”
وكل ما كان بيرجع البيت بالعافية ويترمي على السرير، كان بيبقى باين عليه التعب لدرجة إني كنت ببلع أي شكوى أو عتاب. وفي مرة، صحيت لقيته قاعد على حرف السرير، وكتفه بيهتز من البكاء.
“أحمد؟”
مسح وشه بسرعة قبل ما يلتفت لي.
“كانت ليلة صعبة.. ارجعي نامي.”
عشان كده يوم الثلاثاء ده، بعد ما شفته نازل وشارط كارت المستشفى في جيبه، قررت أعمله مفاجأة. جهّزت له الغدا اللي بيحبه، وحطيت معاه قطعة فطير تفاح، وحطيت ورقة صغيرة تحت الشوكة كاتب فيها:
“مش لازم تهتم بالكل وتراعيهم.. سيبلي فرصة أراعيك أنا.”
سوقت لحد المستشفى وأنا بتخيل قد إيه أحمد هيكون مبسوط لما يشوفني.
بس أول ما وصلت، حسيت إن في حاجة مش مظبوطة. عند مكتب الممرضات، في ممرضة أعرفها من سنين، أول ما شافتني ضحكتها اختفت فجأة.
“هو أحمد موجود؟” سألتها. “وبلاش تحذروه أرجوكي، هيقولي تعبتِ نفسك ليه.”
بصت للممرضة اللي جنبها. ابتسامتي بدأت تختفي.
“هو حصل له حاجة؟ أحمد فين؟”
محدش فيهم رد عليا. كنت بدأت أغضب من التصرفات الغريبة دي، لحد ما لمحت “عصام”، زميل أحمد، يقرب مني. وشه كان أصفر زي الورقة. وقف قدامي.
“أنا مبسوطة أوي إنك هنا!” قلت له بنبرة مبهجة. “ممكن تقولي أحمد فين؟”
عصام بصل في وشي يفتش في ملامحي. وفجأة من غير أي مقدمات، عينيه اتملت دموع.
“هو ملقلكيش أي حاجة، صح؟”
علبة الغدا وقعت من إيدي على الأرض.
“عصام… في إيه؟ أحمد جرى له حاجة؟ اتكلم بالله عليك!”
عصام مسكني من إيدي وأخدني على أوضة الكشف الفاضية، وقفل الباب. وشه كان مليان حزن وعينيه مش قادرة تترفع في عيني.
“أحمد ماكانش بيسيب البيت عشان الشيفتات الزيادة يا سارة… أحمد كان بيتعالج هنا في السر بقاله ثمان شهور.”
الدنيا لفت بيا، وقعدت على أقرب كرسي مش حاسة برجليا:
“يتعالج؟ يتعالج من إيه؟”
“ورم في المخ في مرحلة متقدمة… كان يرفض يقولك أو يخلي حد مننا يكلمك. كان يقولي: سارة والبنت مش هيستحملوا يشوفوني ضعيف، خليني أشتغل وأوفر لهم كل حاجة لحد آخر لحظة، مش عايزهم يعيشوا في الخوف معايا.”
الدموع نزلوا زي المطر، وافتكرت كل ليلة كان بيرجع فيها تعبان ويترمي على السرير، وافتكرت المرة اللي صحيت لقيته بيعيط على طرف السرير وما رضيش يقولي في إيه. هو ماكانش بيهرب مني… هو كان بيحميني وبيتألم لوحده.
“هو فين دلوقت؟” قلتها بصوت متقطع وبصعوبة.
“هو في العمليات دلوقت… الحالة ساءت فجأة الصبح ودخل جراحة طارئة، ودلوقتي الدكاترة بيحاولوا ينقذوا حياته.”
جريت في الممر ورُحت وقفت قدام باب غرفة العمليات. حطيت إيدي على الإزاز وأنا بصرخ في سري وبدعيلو بكل قلبي. طلعت الورقة الصغيرة اللي كنت كاتباها في علبة الغدا وبصيت فيها:
“مش لازم تهتم بالكل وتراعيهم.. سيبلي فرصة أراعيك أنا.”
قعدت على الأرض قدام الباب وأنا ماسكة الورقة وبدعي ربنا يرجعهولي، عشان ألحق أقف جنبه وأشيل عنه ولو جزء بسيط من الحمل اللي شاله لوحده عشان يحمينا.
الساعات اللي قضيتها قدام باب العمليات كانت أطول ساعات مرت عليّ في حياتي.
المصباح الأحمر اللي فوق الباب كان يطفي ويولّع، وكل ما الباب يتفتح وتخرج ممرضة جري، قلبي كان بيقف، وكنت بمسك الورقة الصغيرة اللي كاتباها بأيدي وبقرأها ألف مرة وأدعي ربنا يردّه لي ولين.
وبعد أربع ساعات كاملين، باب العمليات اتفتح…
خرج رئيس الفريق الطبي، وشه كان باين عليه الإرهاق بس فيه لمح أمل. عصام اتنطر من مكانه وجري معايا عليه:
“إيه الأخبار يا دكتور؟”
الدكتور بص لي وابتسم ابتسامة هادية:
“الحمد لله… العملية كانت معقدة جدًا، بس قدرنا نشيل الجزء الأكبر من الورم بنجاح، وضغطه استقر. هو دلوقتي هيتنقل للعناية المركزة تحت الملاحظة.”
وقعت على الركب وأنا بنهمر في الدموع وبحمد ربنا بكل جوارحي.
بعد ساعتين، سمحوا لي أدخل له العناية. كان نايم، أجهزة كتير حواليه ووشه شاحب، بس كان بينبض بالحياة. قعدت على الكرسي جنبه، مسكت إيده الباردة وحطيت الورقة الصغيرة جوة كفه، وضغطت عليها بالراحة.
وفي الليلة التانية، بدأ أحمد يفتح عينيه ببطء. لما شافني قاعدة جنبه وماسكة إيده، دمعة نزلت من طرف عينه، وقال بصوت مهزوم وواطي أوي:
“سارة… أنا آسف… ماكنتش عايز أكسر قلبك.”
قربت منه وبست إيده وقلت له ودموعي نازلة:
“أنت ما كسرتش قلبي يا أحمد… أنت حمايتنا بزيادة لدرجة إنك نسيت إنك ليك زوجة تحشيل معاك الهم. الجواز مش بس نتقاسم الفرح، الجواز عشان نكون سند لبعض في الوجع كمان.”
أحمد بص لي وهو بيحاول يبتسم:
“كنت خايف عليكم.”
قلت له بثبات:
“من النهاردة مفيش خوف… هنتعالج ونقوم سوا، وبنتك مستنياك ترجع البيت عشان تحتفل بعيد ميلادها من تاني.”
ومرت شهور من العلاج الطبيعي والمتابعة، وأحمد بدأ يسترد صحته ورجع بيته بفضل ربنا. ومن اليوم ده، أحمد اتعلم إن الشجاعة مش إنك تشيل الحمل لوحدك، بل إنك تسمح للي بيحبوك يشيلوه معاك.




