
فاطمة اتسمرت مكانها، ولسانها اتقعد من الخوف. نظرات حسن كانت شبه السك. ينة، مش نظرة راجل مخدوع، دي نظرة قاضي مستني الاعتراف عشان يصدر الحكم. مسكت طرف طرحتها بأيديها اللي بتترعش وقالت بصوت طالع بالعافية: «والله العظيم ما حد لمسني يا معلم!
صدقني أنا مظلومة، والقصة مش زي ما أنت فاكر خالص!»حسن قعد على الكرسي الهزاز اللي في نص الصالة، وشاورلها تقعد قصاده: «اقعدي يا فاطمة.. وأنا بسمع كويس أوي، وبعرف أفرز الكدب من الجد من أول كلمة.. احكي.»قعدت على حرف الكنبة وهي بتعيط بالراحة: «أنا أختي الصغيرة شهد.
. اتورطت مع ابن شيخ البلد في قريتنا، وضحك عليها بالحب ولما عرف إنها حامل، هرب وأنكر كل حاجة. أهلي وعمي سيد لما عرفوا، كانوا هيقتلوها ويمسحوا عارهم بدمها. أنا مقدرتش أسيب أختي تمو. ت.. خبيتها في مكان أمان، وأنا اللي شلت الشيلة بدالها قدام البلد كلها عشان أشتري وقت وأهَرّبها برة المحافظة.
كل الفحوصات والورق باسمي أنا، والكل فاكر إن أنا اللي حامل، مش هي!»حسن كان بيسمع وهو ساكت تماماً، عينه مفيهاش أي تعبير، بس الولاعة الذهب في إيده كانت بتفتح وتقفل بصوت منتظم. فاطمة كملت بكسرة: «أنا هربت للقاهرة عشان أستخبى، وعمي سيد وصل لي وكان فاكرني بجد حامل وعايز يجوزني لأي حد يستر الفضيحة أو يبيعني عشان يسدد دينه ليك.
. أنا والله الشرف غالي عندي، بس كنت بفدي أختي الصغيرة من المو. ت!»حسن سكت لثواني، وبعدين قام وقف وبص لها بنظرة غامضة وقال: «قصة حزينة ومسبوكة صح.. بس المعلم حسن مبيعتمدش كلام باللسان.»سحب تليفونه وطلب رقم، وأول ما الطرف الثاني رد، حسن قال بأسلوب آمر: «يا دكتور..
تجيلي القصر فوراً، ومعاك الدكتورة بتاعة النساء والولادة والتجهيزات كاملة.. قدامك نص ساعة.»قفل التليفون وبص لفاطمة وقال بنبرة هادية بس تخوف: «لو كلامك صح وأنتِ عذراء زي ما بتقولي.
. يبقى أنتِ فتحتي على نفسك باب حماية المعلم حسن لآخر يوم في عمرك، وابن شيخ البلد ده أنا هخليه يبوس جزمته عشان يتمنى المو. ت ومش هيقايق أختك تاني.
. إنما لو طلع كلامك كدب ورسمتي عليا الدور…»قرب منها وحط إيده على كتفها بضغط خفيف: «يبقى ساعتها هتعرفي المعلم حسن بيعمل إيه في اللي بيفكر يشتغل لحسابه على قفاه!»فاطمة بلعت ريقها وبصت في عينيه بثبات رغم الدموع اللي كانت نازلة على خدها: «أنا موافقة يا معلم.
هات الدكتورة واكشف عليا، ولو طلع كلامي فيه حرف واحد كدب، اعمل فيا اللي أنت عايزه وما ترميش عليا نقطة رحمة.»حسن هز راسه ببرود، وشاور لإيديه تحط كوباية مية قدامها: «اشربي واهدي.. عشان ليلتنا طويلة.»بعد نص ساعة بالضبط، كانت عربية الدكتورة داخلة من بوابات القصر.
دخلت الدكتورة ومعاها الممرضة والتجهيزات، وحسن أخد فاطمة لأوضة الكشف اللي كانت متجهزة في الدور الأراضي للقصر لحالات الطوارئ الخاصة برجالته. وقف حسن برة الأوضة وسند ضهره على الحيطة، حاطت إيديه في جيب بنطلونه والهدوء يلف المكان، بس عينيه كانت بتلمع بترقب.
مرت عشر دقائق كانت بالنسبة لفاطمة أطول من السنين.. وبعدها خرجت الدكتورة وقفت قصاد حسن، ووطت صوتها باحترام: «كل حاجة تمام يا معلم حسن.. المدام بنت بنوت، ومفيش أي أثر لعمليات أو حمل سابق.. كل التحاليل اللي كانت معاها شكلها مترتبة برة فعلاً عشان تغطي على حد تاني.
»حسن ملامح وشه اتغيرت، والجمود اللي كان عليه اتمسح وحل محله نظرة تقدير وثقيلة. هز راسه للدكتورة وقال: «تسلم إيدك يا دكتورة.. البنت دي تحت حمايتي، والسر ده يدفن هنا.»الدكتورة أخدت أتعبابها وخرجت فوراً، وحسن دخل الأوضة لقيل فاطمة قاعدة على طرف السرير، لافة طرحتها وبتبصله بكسرة ونظرة ترجي: «صدقتني يا معلم؟
»قرب حسن منها خطوة بخطوة، وقف قصادها مباشرة ومد إيده لفلوسها ومسح دموعها بصباعه ببراعة وهدوء غير متوقع منه: «صدقتك يا فاطمة.. وأنتِ طلعتي بجد أصيلة وبنت أصول، ومفيش راجل في البلد دي يقدر يمس شعرة منك بعد النهاردة.
»فاطمة بصتله بذهول: «طب وأختي شهد؟ عمي سيد ورجالته لو وصلولها…»قاطعها حسن ونبرة صوته اتغيرت تماماً وبقت زي الحديد: «أختك من الليلة دي في أمان، ورجالتي هيمشوا جيبوها وتيجي تعيش معاكي هنا في القصر.
. أما عمك سيد وابن شيخ البلد اللي فاكر نفسه صايع…»ابتسم حسن ابتسامة خبيثة ورعبت فاطمة وقال: «دول حسابهم معايا أنا.. هعلمهم إزاي ييجوا على حريم المعلم حسن!»#حكايات_شروق_خالد