روايات وقصص

النادلة حكايات شروق خالد

كنت مجرد نادلة لما سمعت بالصدفة زوجة أخطر زعيم مافيا في القاهرة وهي بتهمس لعشيقها إنهم بوّظوا فرامل جوزها.

جريت أحذره، لكني وصلت متأخرة ثواني بس.

ولما وصلت لطريق الجبل، كانت عربيته اختفت بالفعل من فوق حافة الطريق، وبقيت أنا الشخص الوحيد اللي كان قريب كفاية عشان يساعده.

اسمي سارة فؤاد.

عندي سبعة وعشرين سنة، وكل عالمي كان عبارة عن البقشيش، والإيجار المتأخر، وشيفتات مدتها اتناشر ساعة في مطعم «بيليني» الفخم، المكان اللي كان بيرتاده رجال الأعمال الكبار وأصحاب النفوذ، واللي نادرًا ما كانوا يلاحظوا الست اللي بتفضل تلف بين الترابيزات وتملأ كوباياتهم.

وعشان كده، نادية المنصوري ماخدتش بالها مني الليلة دي.

كانت قاعدة في غرفة خاصة مع راجل مش جوزها.

كنت بنضف ترابيزة ورا فاصل خشبي لما سمعته بيهمس:

— خلصت.

نادية قربت منه وخفضت صوتها.

— الفرامل؟

رد عليها بهدوء:

— اتقطعت بالقدر الكفاية. هتضرب وهو طالع طريق الجبل.

إيدي اتجمدت في مكاني.

وبعدين ضحكت نادية ضحكة واطية.

— قبل نص الليل، هبقى أرملة حزينة.

كنت عارفة بالضبط هي بتتكلم عن مين.

آدم المنصوري.

عنده تمانية وتلاتين سنة. غني. صاحب نفوذ. محدش يقدر يقرب منه.

الراجل اللي الصحف بتسميه رجل أعمال ناجح، لكن كل اللي حواليه كانوا عارفين الحقيقة.

آدم المنصوري كان أخطر زعيم مافيا في مصر.

كان المفروض أمشي وأسكت.

الناس اللي زيي بتعيش لأنها بتتعلم تعمل نفسها مش سامعة.

لكن عشيق نادية قال:

— آدم هيمشي كمان عشر دقايق.

معدتي اتقبضت.

وجريت.

كانت عربية آدم السوداء بالفعل بتتحرك بعيد عن المطعم لما خرجت وأنا بصرخ:

— يا أستاذ آدم!

لكنه ما سمعنيش.

ما فكرتش.

ركبت عربيتي وجريت وراه.

المطر كان بيخبط بعنف على زجاج العربية، وأنوار عربيته الخلفية كانت بتطلع وتختفي قدامي وهو بيطلع طريق الجبل.

اتصلت بالنجدة.

وبعدين اتصلت بالرقم المكتوب على كارت آدم المنصوري اللي كنت لاقيته مرة تحت طبق في المطعم.

محدش رد.

فضلت أنور له بالعربية.

أضرب كلاكس.

وأصرخ من جوه العربية.

وبعدين شفت نور الفرامل بيومض.

مرة.

مرتين.

وبعدين اختفى.

العربية دخلت المنحنى اللي بعده بسرعة جنونية.

وفجأة…

خبطت في الحاجز الحديدي.

واندفعت برة الطريق.

واختفت من قدامي.

صرخت:

— لأ!

وقفت عربيتي بعنف وجريت.

العربية ما كانتش وصلت لقاع الوادي.

كانت متعلقة في شجرة تحت الطريق، ميلة فوق منحدر عميق.

آدم كان جواها، شبه فاقد الوعي.

نزلت من المنحدر وسط الطين والفروع المكسورة، لحد ما إيديا اتجرحت ونزل منها دم.

صرخت:

— اصحى!

فتح عينيه بصعوبة.

وبص لي باستغراب.

— إنتِ مين؟

رديت وأنا بلهث:

— النادلة.

فجأة الشجرة طلعت صوت تكسير مرعب.

مديت إيدي من خلال الشباك المهشم ومسكت دراعه.

كان وزنه ضعف وزني تقريبًا.

لكن أنا سحبته بكل قوتي.

العربية اتحركت.

آدم بص لي وقال بصوت ضعيف:

— سيبيني.

هززت رأسي.

— مستحيل.

صوت تكسير تاني دوّى في المكان.

صرخت وسحبته بكل القوة اللي كانت فاضلة عندي.

خرج آدم من العربية في اللحظة اللي العربية نفسها انفصلت عن الشجرة.

اتدحرجت لتحت واختفت في الظلام.

لعدة ثواني، محدش فينا اتكلم.

وبعدين أنوار قوية غمرت طريق الجبل.

عربيات دفع رباعي سوداء.

عشرات الرجال نزلوا منها بسرعة.

واحد منهم لمحني وأنا راكعة جنب آدم، وإيديا كلها مغطاة بدمه.

رفع إيده.

ورفع واحد تاني إيده.

وبعده التالت.

فجأة، آدم مسك معصمي بقوة.

وقال:

— محدش يلمسها.

كل الرجال وقفوا مكانهم.

آدم بص لي وسط المطر.

صوته كان هادي بشكل يخوف أكتر من الصراخ.

— دلوقتي قوليلي يا نادلة…

سكت لحظة، وعينيه ثبتت في عيني.

— إزاي عرفتي إن فرامل عربيتي هتضرب؟

حكايات شروق خالد

سحبت إيدي من إيد آدم، لكن قبضته كانت أقوى من إني أقدر أفلتها بسهولة.

بصيت للرجالة اللي واقفين حوالينا.

— أنا… أنا سمعت.

عين آدم ضاقت.

— سمعتِ إيه؟

بلعت ريقي.

— مراتك.

المكان كله سكت.

حتى المطر حسيت إنه اختفى للحظة.

واحد من الرجالة قرب خطوة، لكن آدم رفع إيده.

— محدش يتحرك.

وبص لي.

— نادية قالت إيه؟

هزيت راسي بسرعة.

— كانت قاعدة في المطعم مع راجل… مش جوزها.

وشه ما اتحركش.

— كملي.

— سمعت الراجل بيقول إن الفرامل اتقطعت، وإنك هتطلع طريق الجبل… وإنك مش هترجع قبل نص الليل.

لأول مرة، شفت حاجة غريبة في عينيه.

مش غضب.

وجع.

وبعدين اختفى.

آدم قام بصعوبة، واحد من رجاله حاول يسنده، لكنه زقه بعيد.

— أنا كويس.

بص ناحية العربية اللي اختفت في الوادي.

وبعدين رجع بص لي.

— اسمك؟

— سارة.

— سارة إيه؟

— فؤاد.

فضل ساكت ثواني.

ثم قال لأحد رجاله:

— خدوا سارة على العربية.

اتوترت.

— لأ! أنا مش رايحة في حتة!

آدم بص لي.

— مش هتروحي مكان من غيري.

— أنا ساعدتك!

رفع حاجبه.

— وعشان كده لسه هنا.

اتجمدت.

قرب مني وقال بصوت منخفض:

— الست اللي عرفتيها هتحاول تأذيني، ولو عرفت إنك ساعدتيني، هتحاول تأذيكي.

بصيت له بخوف.

— يعني إيه؟

— يعني من اللحظة دي، حياتك اتغيرت.


بعد حوالي عشرين دقيقة، كنت قاعدة في عربية آدم في طريقنا للقاهرة.

كنت لابسة هدوم مبلولة بالطين، وإيديا بتترعش.

آدم كان قاعد قدامي، ساكت.

جرح صغير فوق حاجبه، والدم ناشف على جانب وشه.

أخيرًا سأل:

— ليه حذرتيني؟

بصيت من الشباك.

— عشان كنت في خطر.

— ده مش سبب كفاية.

ضحكت بمرارة.

— بالنسبة لي كفاية.

سكت.

وبعدين قال:

— الناس عادةً لما تعرف أنا مين، بتجري بعيد.

بصيت له.

— أنا كنت خايفة منك.

— ودلوقتي؟

— دلوقتي خايفة من مراتك أكتر.

لأول مرة، ابتسم ابتسامة صغيرة.

لكنها اختفت بسرعة.

في اللحظة نفسها، تليفونه رن.

بص للشاشة.

نادية.

رد.

— أيوه؟

جاله صوتها من الناحية التانية، متوتر بشكل واضح.

— آدم! أنت فين؟ أنا سمعت إن حصل حادث على طريق الجبل!

بص لي.

ثم قال بهدوء:

— أنا كويس.

صمت.

— الحمد لله! أنا كنت هموت من الخوف عليك!

آدم قفل عينه للحظة.

ثم قال:

— وأنا كمان.

نادية سألت:

— هترجع البيت؟

— آه.

قفل المكالمة.

بصيت له.

— هترجع لها؟

— طبعًا.

— بعد ما حاولت تأذيك؟

ابتسم ببرود.

— هي لسه فاكرة إني مش عارف.

قلبي وقع.

— يعني… أنت عارف؟

— من فترة.

اتنهدت.

— طب ليه ما عملتش حاجة؟

آدم بص لي مباشرة.

— عشان كنت بدور على الشخص اللي معاها.

سكت لحظة.

— والليلة دي كنت قريب جدًا إني أعرف.

ثم فتح ملفًا صغيرًا كان على الكرسي جنبه.

طلع منه صور.

حط واحدة قدامي.

تجمدت.

كانت صورة الرجل اللي كان مع نادية في المطعم.

لكن تحت الصورة كان مكتوب اسم مختلف.

حسن الشناوي.

بصيت له.

— ده كان موجود في المطعم؟

— آه.

— مين هو؟

آدم قال بهدوء:

— الرجل اللي خدعني وخلى كل اللي حواليا يشكوا في بعض.

وبعدين قرب الصورة مني.

— والنهارده، هو ارتكب أكبر غلطة في حياته.

— إيه هي؟

آدم ابتسم.

— إنه خلاكي تسمعيه.

ثم سكت.

وبص لي نظرة طويلة.

— بس فيه حاجة مش فاهمها.

— إيه؟

— إزاي واحدة زيك قدرت تنزل من طريق جبلي وسط المطر، وتساعد راجل من عربية بتقع؟

بصيت لإيديا المجروحة.

— ما فكرتش.

— ودي أكتر حاجة مخوفاني.

— ليه؟

مال ناحيتي وقال:

— لأنك مش عارفة لسه إنك من النهارده بقيتي أهم شخص في الدائرة كلها.

اتسعت عيني.

— أنا؟

هز رأسه.

— أيوه.

ثم نظر إلى الطريق أمامه.

— لأنك الوحيدة اللي تعرف إن نادية خاينة… والوحيدة اللي شافت وجه الراجل اللي هي بتتعاون معاه.

وفجأة، رن تليفونه مرة تانية.

لكن المرة دي، ما ظهرش اسم.

ظهر رقم مجهول.

آدم رد.

لم يتكلم.

جاءه صوت رجل عبر الهاتف:

— كان المفروض تختفي الليلة يا آدم.

سكت آدم.

الرجل أكمل:

— لكن بما إنك عشت… هنغير الخطة.

ثم قال:

— المرة الجاية، النادلة هي اللي هتختفي.

اتغيرت ملامح آدم في لحظة.

قفل الهاتف.

وبص لي.

ولأول مرة منذ ما قابلته، شفت الخوف الحقيقي في عينيه.

قال بهدوء:

— من اللحظة دي… محدش هيلمِسِك.

ثم أضاف:

— حتى لو اضطررت أحط القاهرة كلها تحت رجلي عشان أحميكي.

حكايات شروق خالد

في اللحظة اللي قال فيها آدم إن محدش هيلمِسني، فهمت إن حياتي القديمة انتهت.

ما رجعتش المطعم.

وما رجعتش شقتي.

آدم حطني في بيت آمن، وفضل رجاله حوالين المكان ليل نهار.

لكن اللي ما كنتش متوقعاه إن آدم ما كانش بيحميني بس.

كان بيحاول يحميني من الحقيقة.

بعد يومين، دخل الأوضة وحط قدامي ملف.

— افتحيه.

فتحته.

كانت فيه صور نادية، وحسن الشناوي، وتحويلات مالية، وتسجيلات مكالمات.

آخر صورة خلت إيدي ترتعش.

كانت لنادية وهي بتقابل حسن قبل الحادث بيوم.

لكن الصورة كشفت حاجة أهم.

كان فيه راجل تالت واقف بعيد.

عرفته فورًا.

كان مدير المطعم اللي بشتغل فيه.

صرخت:

— هو كمان؟

آدم هز رأسه.

— هو اللي كان بيراقبك من شهور.

فهمت وقتها إن وجودي في المطعم ما كانش صدفة.

كانوا بيستخدموا المكان عشان يراقبوا آدم.

لكنهم ما توقعوش إن النادلة اللي محدش بياخد باله منها هتسمع كل حاجة.

في الليلة نفسها، آدم نفذ خطته.

اتظاهر إنه لسه ما يعرفش حاجة.

خلى نادية تفتكر إن محاولتها نجحت، وإنه مش عارف مين خانه.

وبالفعل، نادية وقعت في الفخ.

قابلت حسن في مخزن قديم على أطراف القاهرة، وهناك كانت الشرطة مستنية.

كل الأدلة كانت جاهزة.

التحويلات.

التسجيلات.

والخطة الكاملة للإيقاع بآدم.

أما نادية، فلما شافت آدم واقف قدامها، انهارت.

— إنت موجود؟

آدم ابتسم ببرود.

— زعلتي؟

صرخت:

— أنا عملت كل ده عشانك!

— عشان الفلوس والسلطة.

سكتت.

ثم بصت لي.

— وإنتِ السبب!

آدم وقف أمامي مباشرة.

— لأ.

صوته كان هاديًا، لكنه حاسم.

— سارة هي السبب إنك فشلتي.

وبعدها أخذت الشرطة نادية وحسن.

أما آدم، فاختار يقطع كل صلته بعالم الجريمة.

باع جزءًا من أعماله المشبوهة، وسلّم المستندات للشرطة، وبدأ يبني حياة مختلفة.

بعد ستة شهور، رجعت للمطعم.

لكن مش كنادلة.

آدم اشترى المطعم، وسلّمه لي.

وقفت أمامه مذهولة.

— إنت مجنون؟

ضحك.

— احتمال.

— وأنا هشتغل هنا؟

— المكان بقى بتاعك.

بصيت له.

— وليه؟

اقترب مني وقال:

— لأن أول مرة شوفتك فيها، كنتِ مجرد نادلة محدش بياخد باله منها.

سكت لحظة.

— لكن أول مرة ساعدتيني فيها، عرفت إنك أهم إنسانة قابلتها في حياتي.

ابتسمت رغمًا عني.

— وإنت؟ لسه أخطر راجل في مصر؟

هز رأسه.

— لأ.

— أمال إيه؟

مسك إيدي.

— دلوقتي أنا مجرد راجل محظوظ إن نادلة شجاعة سمعت الكلام اللي ما كانش المفروض تسمعه.

ضحكت.

— ولو ما سمعتش؟

ابتسم.

— كنت هبقى في ورطة كبيرة.

ثم قبل يدي بهدوء وقال:

— ولو ما قابلتش سارة فؤاد؟

بص لي في عيني.

— ما كنتش هعرف أعيش أصلًا.

وهكذا، انتهت قصة الرجل الذي ظن الجميع أنه لا يخاف شيئًا…

والمرأة التي أنقذته من مصير صعب، دون أن تعرف أنها في اللحظة نفسها كانت تنقذ قلبه أيضًا.

النهاية.

النادلة التي أنقذت زعيم المافيا

ووووووو

حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى